دراساتصحيفة البعث

ماذا يعني رحيل ميركل ؟!

 

ترجمة:عناية ناصر

عن غلوبال تايمز 8/11/2018

كشفت بداية أزمة الديون الأوروبية في الأشهر الأخيرة من عام 2009 عن ضعف الاتحاد الأوروبي في العمل خلال الأوقات السيئة. ولم يمكن ممكناً إنقاذ منطقة اليورو دون تدخل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ومن ثم وزير المالية فولفغانغ شويبله. غادر وزير المالية منصبه فعلياً ويعمل الآن كمتحدث في البوندستاغ. وبإعلان المستشارة قرارها بعدم الترشح مرة أخرى لرئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي يقترب فصل هام في التاريخ الحديث لألمانيا وأوروبا ببطء من نهايته.

قرار ميركل ناضج، وهي تنتمي إلى عدد قليل جداً من السياسيين الذين لا يضعون مصلحتهم الشخصية فوق المصلحة الوطنية، ولديهم القدرة على الاستماع إلى رسالة الناخبين. فاز الاتحاد الديمقراطي المسيحي بسهولة في انتخابات “البوندستاغ” في أيلول  2017 ، لكنه لم يحصل على النسب العالية من الانتخابات الفيدرالية  لسابقة، والسبب الرئيسي هو موقف المستشارة من أزمة اللاجئين، إذ سمح نهجها “سياسة الباب المفتوح” في آب وأيلول 2015 للعديد من اللاجئين بالقدوم إلى ألمانيا. لكن العديد من الناخبين المحافظين لا يغفرون لميركل موقفها، وتجلى ذلك  واضحاً خلال الانتخابات الإقليمية الأخيرة في بافاريا وهيسن.

يبدو المشهد ما بعد ميركل غامضاً سياسياً. ففي السياسة الداخلية، هناك ثلاثة مرشحين رئيسيين قد يخلفونها، وهم أنغريد كرامب كارينباور، الأمين العام للحزب الديمقراطي المسيحي، وزعيم البرلمان السابق فريدريش ميرز، ووزير الصحة ينس سبان. ولم تظهر الاستطلاعات الأولية التي أجريت بعد قرار المستشارة بعدم الترشح مرة أخرى زيادة كبيرة في شعبية الاتحاد الديمقراطي المسيحي، على الرغم أنه من المبكر توقع التطورات المستقبلية قبل مؤتمر الحزب في  كانون الأول، إلا أن مهمة خليفتها ستكون صعبة.

ليس من المؤكد أن زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الجديد سيمتلك المهارة الإدارية لميركل، حيث يحتاج الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى إعادة تحديد جدول أعماله من أجل وضع حد لصعود حزب البديل من أجل ألمانيا. يستخدم  حزب البديل من أجل ألمانيا خطاباً عنيفاً ضد اللاجئين الوافدين، لم يلقَ أي صدى لدى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ولا تُظهر استطلاعات الرأي الأولى أي ضرر خطير على حزب البديل من أجل ألمانيا. لهذا سيتعين على زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الجديد إقناع الناخبين من الطيف السياسي من يمين الوسط بخطة محافظة فاعلة جديدة للتعامل مع أزمة اللاجئين المستمرة التي تتناقض مع سياسة المستشارة الغامضة.

ربما تساعد مثل هذه الخطة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وحزبه الشقيق في ولاية بافاريا الاتحاد الاجتماعي المسيحي على جسر خلافاتهما. في الأشهر الأخيرة، تسبب رئيس حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي ووزير الداخلية هورست سيهوفر في أزمات حكومية خطيرة من خلال الاختلاف مع ميركل. كما عانى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي بشكل كبير أيضاً في الانتخابات الإقليمية في بافاريا. لذلك يحتاج زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الجديد إلى إعادة اللحمة بين الحزبين اللذين تعاونا بانسجام قبل اندلاع أزمة اللاجئين.

من المؤكد أن انتخابات “البوندستاغ” في 2021 ستكون مختلفة بالنسبة للناخبين الألمان. في الوقت الحالي، هناك أيضاً عوامل مجهولة لا تحدد التوجه المستقبلي لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فحسب، ولكن أيضاً القدرة المزعومة للحزب الديمقراطي الاشتراكي على التعافي، بالإضافة إلى الإمكانية المحتملة لحزب الخضر للحفاظ على نجاحه في الانتخابات الإقليمية في الولايات الفيدرالية. ليس من المتوقع أن يتأثر مسار الاقتصاد الوطني بالتطورات السياسية الداخلية، حيث إنها تقف على أسس متينة.

الاتحاد الأوروبي هو الذي سيفتقد بشكل أساسي قيادة ميركل، إذ يجد الاتحاد الأوروبي نفسه عند مفترق طرق، والقيادة الألمانية هي شرط أساسي لتجنب الأزمات الجديدة، على الأقل فيما  يتعلق بالشؤون الاقتصادية  وعملية الإصلاح.
وأما فيما يتعلق بالعلاقات الصينية الألمانية، فإن رحيل ميركل لا يشكل أنباء سارة لأنها تفضل بشكل عام التعاون الوثيق. حيث زارت المستشارة الصين عدة مرات، وتقدر أهمية التجارة للشراكة الثنائية، وتتوخى تفاهماً أفضل بين الصين والاتحاد الأوروبي في مجالات مثل تغير المناخ. بالطبع ستأتي نهاية ميركل السياسية – عاجلاً أم آجلاً – وما يهم هو كيف يمكن ضمان استمرارية نهجها. لن يستطيع خليفتها تجاهل ما تقوله الأرقام، ففي العام الماضي، على سبيل المثال، كانت الصين أكبر شريك تجاري لألمانيا. وحتى إذا لم يستطع المستشار الجديد الوصول إلى درجة الاستقرار واليقين والمصداقية التي تملكها ميركل، فسيكون عليه أن يوجه السياسات الألمانية نحو المشاركة البناءة مع الصين.