أوروبا…التحالف والانقسام إلى الحـيـاة بـعــد مئــة ســنة

باسل الشيخ محمد

يقال إن الأحداث نفسها تتكرر كل مئة عام، ولهذه النظرية ما يبررها بالتأكيد، على الأقل في أيامنا هذه.

صدر تصريح من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عشية الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى، أعلن فيه عن الرغبة في تشكيل جيش أوروبي موحد، وهو ما يراه بعض المراقبين على أنه –للمفارقة- شبيه بمرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى لجهة توسع قوى أوروبية تزامناً مع بداية تحالفات عسكرية وانتهاء أخرى.

ولكن قبل أن نخوض في غمار مقاربة عواقب هذا الانقسام، يجدر بنا أن ننتبه إلى سؤالين على قدر من الأهمية، فأولاً: ضد من تعتزم دول الاتحاد الأوروبي تشكيل جيش موحد لها؟ ومن ذا الذي تعتبره أوروبا خطراً عسكرياً عليها؟ إن كان الأمر يتعلق بالإرهاب فإن هذا دور قوى الأمن الداخلي في كل دولة على حدة تحت مظلة الشرطة الأوروبية.

ولكن إن كان الأمر يتعلق بمحاولة ظهور أوروبا كقطب جديد في ظل محاولة بعض السياسيين البريطانيين الانفكاك عن الاتحاد الأوروبي، فماذا ينوي ذلك القطب أن يفعل ليظهر كقوة مؤثرة عسكرياً، ألا يرضى الاتحاد الأوروبي بدوريه الاقتصادي والسياسي؟

دلالات المواقف والتصريحات

اللافت في تصريح ماكرون أن إنشاء هذا الجيش يهدف إلى حماية القارة العجوز من (روسيا والصين والولايات المتحدة)، علماً أن الصين حليف اقتصادي لأوروبا، وأن الولايات المتحدة حليف عسكري، في حين أن روسيا ليست على خط مواجهة مع الاتحاد الأوروبي.

أول ملامح الإجابة عن هذه التساؤلات بدا في تصريح دونالد ترامب الذي قال إن هذا التحالف يمثل “إهانة بالغة للولايات المتحدة” داعياً –كعادته- أوروبا إلى دفع المال لحلف النيتو. جاء صوت آخر لرئيس مجلس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك يتهم ترامب بأنه لا يريد أوروبا قوية.

ولعل أفضل ما يفسر تخوف ترامب من فكرة هذا الجيش هو تصريح اللورد هاستينغزايسماس الذي كان أول أمين عام لحلف النيتو، وله عبارة شهيرة أتت رداً على سبب تشكيل هذا الحلف قال فيها “إنه لطرد السوفييت وإدخال الأمريكيين ولجم الألمان”.

لجم الألمان كان سياسة ممنهجة  للولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ إنه من غير المسموح لألمانيا امتلاك قنبلة ذرية بحجة أن النيتو يحميها، ولهذا فلم يكن من المستغرب أن تؤيد أنجيلا ميركل فكرة الجيش الأوروبي هذه، وجاء في حديثها أمام جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ أنه من المستحيل وقوع “حرب جديدة بين دول أوروبية، و (الجيش الأوروبي) لن يكون جيشاً مضاداً للنيتو”، مضيفة أن لا أحد يشكك في الصلات التقليدية بين الاتحاد الأوروبي والناتو.

وكأن تلك العبارات تحاول إخفاء نية ما من وحي اللاوعي الجمعي الألماني الذي تدرك فيه المستشارة الألمانية أن ثمة من يقف في طريق نهوض بلادها لسبب أو لآخر، وهي ربما نفس الفكرة التي يؤمن بها خليفة ميركل ينز شبان، ولكن مرة أخرى: على من ستوجه فوهات المدافع لاحقاً إن قدر لهذا الجيش أن يرى النور؟

تعدد الأقطاب وتعدد الاعتبارات

الأمر الذي يسترعي الانتباه هو أن الاتحاد الأوروبي نشأ على أساس نوع من الوحدة الاقتصادية والاستراتيجية للدول الأعضاء، ومنذ توقيع اتفاقية الاتحاد الأوروبي في “ماستريخت” 1992 ظهرت أشكال أخرى من المجموعات الدولية، منها مثلاً دول “البريكس” ذات البعد الاقتصادي، ويبدو أن للصين رؤية في ربط مصالحها التجارية بأوروبا عبر شبكة من السكك الحديدية، هنالك أيضاً رابطة الدول المستقلة من الاتحاد السوفييتي السابق. وبين فترة وأخرى تطل على الساحة العالمية تحالفات عسكرية ترأسها الولايا المتحدة، مثل التحالف الدولي المشكل لغزو العراق أكثر من مرة.

خلال تلك التحالفات لم يكن من مسافة تفصل بين النوايا الأمريكية والسلوك الأوروبي، ربما كان لترامب دور في إذكاء شعور الإهانة لدى العديد من حلفائه، ولكن ترامب بدوره ظاهرة سياسية ستبقى في البيت الأبيض لثمانية أعوام على أبعد تقدير.

هل يمكننا القول إن الاتحاد الأوروبي بات تحت تأثير ثقافة الأحزاب اليمينية التي بدا أنها ذات شعبية لا يستهان بها؟

إن كان من قاسم مشترك سوى انتهاج اليمينية يجمع بين حزب الحرية الهولندي، ورابطة الشمال الإيطالية، والجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب ألمانيا البديلة، وحزب الحرية النمساوي، فهو التوجه اليميني الذي يؤمن بالتفوق الأوروبي، ليس فقط في مجال التململ علناً من المهاجرين، بل وفي محاولة انقلاب هذه الأحزاب على أشكال الحكم الأوروبية الأئمة، من خلال ترسيخ المفهوم الأصولي بنسخته الأوروبية.

اليمين ومرآة العلاقات الدولية

أبرز الأمثلة على ذلك هو صعود نجم حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا حيث حقق نتائج كاسحة في أربع مدن من بينها العاصمة فيينا، ولو حقق مرشح الحزب نوربرت هوفر ثلاثين ألف صوت أخرى لفاز هو بالانتخابات الرئاسية، ومعلوم عن نوربرت تواصله الدائم مع التيار النازي، وهو السبب الذي جعل القاضي يرد دعوى تشهير أقامها نوربرت بحق رئيس الحزب الاشتراكي في النمسا لوصفه بالنازي بحجة أن نوربرت حاول إنشاء قنوات اتصال مشتركة، ولاسيما أن له صورة تعود إلى العام 1989 يؤدي فيها التحية النازية إلى جانب آخرين.

تعتمد الأحزاب اليمينية لغة التفوق واستعداء الآخر، مظهرة نفسها على أنها حامية للمواطنين، وأنها هي من يملك وصفة النجاة، أمام ذلك يبدو أنه لا سبيل أمام الأحزاب اليسارية إلا أن تتبنى سياسات شبيهة تسوق من خلالها فكرة حماية البلاد من “الآخر”.

الصراع الداخلي على السلطة –في ما يبدو- قد يترافق مع صراع خارجي في إهاب الظهور بمظهر من يدافع عن نفسه ضد الآخر، مهما كان تعريف ذلك “الآخر” ومهما كان ذلك يعني من مواجهات اقتصادية وسياسية تصيب من ليس طرفاً في هذه المواجهات المستقبلية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *