المؤتمر الثقافي السوري.. مشروع استكمال الدولة الوطنية وإعادة الاعتبار لمنظومة القيم

 

في الجلسة الأولى من فعاليات اليوم الثاني لمؤتمر الثقافة السوري التي ترأسها د.عبد الله الشاهر وتضمنت محور “مشروع استكمال الدولة الوطنية، وترسيخ مفهوم الحرية والديمقراطية، والانتقال من الهويات الجزئية إلى الهوية الوطنية الجامعة، ودور الفكر النقدي في بناء الدولة العصرية”، قدم د.عقيل محفوض أستاذ في كلية العلوم السياسة بحثاً بعنوان الدولة الوطنية في حالات ما بعد الحرب إذ قال:
ظاهرة الدولة في المشرق وسورية تحديداً، وإشكالية الدولة ومقامها في الحرب، وكيف أن السوريين أظهروا ديناميتين متعاكستين الأولى هي استهداف الدولة بوصفها “خصما” و”غنيمة” ومحاولة إقامة كيانات دولتية أو شبه دوليتية بتأثير عوامل عديدة منها التدخل الخارجي، والثانية هي التمسك بالدولة والدفاع عنها بوصفها الإطار الجامع للسوريين، والقوة الرئيسة لمواجهة الأزمة وإعادة البناء لمرحلة ما بعد الحرب ثم مفردات إطارية حول “إعادة إنتاج” الدولة في حالات مابعد الحرب بالتركيز على حالة سورية.

منظومة المواطنة
والثقافة -في تصورنا- ضرورة وعي الإنسان لذاته ووجوده، والتحرك فيه وفق أنساقه الموضوعية المتعددة، وتحت عنوان “في وعي الهوية والمواطنة” تحدث د. حسين جمعة في محاضرته أن التماهي في منظومة القيم التي ينتمي إليها الإنسان تماهياً ليس قائماً على وعي زائف أو مشوه، أو كاذب أو مضلل للعقل والمشاعر، ومن ثم فالوعي إدراك وفهم واستيعاب وقدرة على التحليل لصياغة الانتماء والسلوك الذي يجذّر مفهوم التفاني في الدفاع عن الذات والجماعة التي تنتمي إليها، والتي تميزت بخصائص مشتركة وفريدة تجعلها مغايرة لغيرها، ولكن لا على أساس التناقض والصراع، وإنما على أساس الفرادة، وهو ماعرف بالهوية والغناء في بوتقتها.
وبناء عليه فالهوية صورة مطابقة للوطن ليس بوصفه بقعة جغرافية ولد فيها المرء ونشأ، ولكن بوصفه منظومة من قيم ومبادئ تشرّبها، وعزَّزت لديه فكرة الروح المشتركة للانتماء إلى الوطن، والتي عرفت بالمواطنة.
وأضاف د. جمعة: نحن اليوم بعد نحو ثماني سنوات من عمر العدوان العالمي الإرهابي على سورية؛ والذي أحدث شرخاً في بنية الذات السورية الوطنية، محتاجون إلى تفعيل الوعي بالهوية والمواطنة بوصفها اندماجاً حقيقياً في المشاركة والمسؤولية، وتحقيق مصالح أبناء الوطن في صميم الحقوق والواجبات والعدالة.. نحن محتاجون إلى إعادة تربية الذوق الوطني وفق منظومة المواطنة التي ترتقي بتطور الفكر الإنساني الذي يعزز قيم الديمقراطية والحرية والأصالة وفي صميم الكرامة الإنسانية.

الفكر النقدي.
ويعرف الفكر النقدي أنه طريقة في التفكير تستند إلى منجزات العلم الحديث، وفي “دور الفكر النقدي في بناء الدولة العصرية” قال د.عاطف البطرس: لا يوجد عند الفكر النقدي مطلقات، بل كل شيء قابل لإعادة النظر والبحث والتأمل، والثوابت تتبدل وتتحول في سياق المتغيرات، والثابت الوحيد في طريقة التفكير هو قانون المتغيرات، وقد تجاوز طريقة التفكير النقدي نمط التفكير الخطي وتنطلق نحو منطق التفكير التشابكي، إذ لا تعترف منهجية التفكير النقدي بالواحد المطلق وإنما تعتقد بالمتعدد والمختلف وبالتنوع أساس الوجود في الطبيعة والمجتمع، فأساس الفكر النقدي يعتمد مبدأ الشك العلمي المستند إلى حقائق الوجود والتجربة الإنسانية، لأن الفكر النقدي منفتح على تجارب الشعوب ومستوعب لمنجزها الإنساني، ويؤمن بالعلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر والمستقبل، بالإضافة إلى أنه متحرر من عقدة النقص أمام الثقافات الأخرى مستند إلى تملك معرفي معاصر بتاريخه ولتراثه الفني.

الثقافة الوطنية ومفاهيمها وأسسها
استكمالا للمحاور الثلاثة التي جاءت في المؤتمر الثقافي السوري، والتي توزعت على يومين، جاء المحور الرابع والأخير تحت عنوان: “السياسات الثقافية التي ينبغي إتباعها من أجل إشاعة قيم التسامح والحوار والتعصب وإعادة الاعتبار لمنظومة القيم، وتحصين الإنسان ثقافيا ومعرفيا”، عنوانا عريضا كما نلاحظ، والخوض فيه ليس بالأمر السهل، فكل فقرة فيه، ورد فيها عدة كتب ماضيا وحاضرا، إن كان في علم الاجتماع، أو السيسيولوجيا المرتبطة فيه، الأيديولوجيا أيضا وتبايناتها في المجتمعات على اختلافها، المذاهب الأدبية والفنية والفكرية، وغيرها مما يمكن لمفهوم كمفهوم السياسة الثقافية أن يضمه؛ هذا عدا عن الثقافة الفردية والجمعية نفسها، التي أسهمت في إنتاج هذه الفقرة أو تلك، وتحويلها إلى مبحث يجب الخوض فيه في فترة ما بعد الحرب، تلك الفترة التي يجب علينا فيها أن نعيد البناء، وإعادة البناء هذه، لا يُكتفى فيها بالحجر، بل الأهم البناء في الثقافة الوطنية الحقة، التي يجتمع عليها أبناء المجتمع الواحد، ويلتقون تحت مفاهيمها وقيمها العامة.

السياسات الثقافية
الجلسة التي أدارها د. “عاطف البطرس” تنوعت مواضيعها التي يمكن وصفها عموما بالجذابة، فالثقافة الوطنية ضد شمولية العلم هذا ما ذهب إليه د. عبد الله الشاهر في ورقته التي قدمها بعنوان: “السياسات الثقافية التي ينبغي إتباعها في إعادة التكوين” وذلك بالخوض في العديد من الشؤون التي تندرج في إطار الثقافة الوطنية، التي ينبغي الوقوف على محدداتها، وتبيان ماهيتها، وعناصر تكوينها وتكونها، مستوياتها وأنواعها، ومكامن الضعف والقوة فيها، أيضا كيفية تكوينها نشوءا وارتقاء، مُعرجا في حديثه على طرق المحافظة عليها وتطويرها، والوسائل التي تنتقل فيها هذه الثقافة من جيل لآخر، وما هي الكيفية التي يجب من خلالها أن نعمل على تغيير ثقافة سائدة بالشكل الذي يجعلها ملائمة ونافعة لمعطيات العصر وطموحات المجتمع.
ومن المداخل المهمة في هذه الورقة، الحديث عن الأثر الذي يُفترض أن تتركه الثقافة الوطنية على المجتمع بشكل عام، ذلك أن الثقافة تجمع بين كونها منتجا وإنتاجا، باعتبارها المنظار الذي يرى الفرد منها ذاته ومجتمعه من خلال التراث والهوية والقيم والمعتقدات والمعارف والفنون والعادات، التي يتم استهلاكها وإعادة إنجازها، من أجل أن تبقى الثقافة، ذلك الشائع الغامض في حياتنا وسلوكنا، الواقع خارج حدود الوعي الفردي والجمعي على حد سواء.
وكما أسلفنا فإن العجالة لضيق الوقت، التي جاء فيها طرح كل هذه المعاني والمفاهيم بتشعباتها الكثيرة، جعلت من ورقة الشاهر وما جاء فيها، عموميا ومباشرا، فعنوان عريض كعنوان الثقافة الوطنية، يدخل في صلب كل مكونات هذه الثقافة على اختلافها، وهذه تحتاج لمناهج دراسية كاملة للخوض فيها كل على حدة، خصوصا وأننا اليوم أمام تحدٍ صعب جدا، فالحرب غيرت من مفهوم هوية الثقافة الوطنية عند الكثير من الناس، لذا يجب بحسب “الشاهر” مراجعة مسألة هذه الهوية التي لم تحسم بعد، من أجل قيامة ثقافة وطنية قيامة صحيحة، لأنها المكون الرئيسي لمزاج الشعب، التي يستخدمها في التعامل مع العالم.

تحصين الإنسان
روح الورقة التي قدمها د. كريم أبو حلاوة، حيث تفترض هذه الدراسة، أنها البعد الكاشف للأزمات والحروب، وهذا التحصين قد يكون عاملا مساعدا في عملية التشخيص والنقد والمراجعة، التي تغدو ضرورية وغير قابلة للتأجيل، خصوصا أن المشكلات والظواهر الاجتماعية والثقافية، تترك تأثيرات مديدة على قضايا التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية، والمكونات الثقافية والتي هي الأكثر تأثرا في ظروف الحرب، مثل ثقافة المواطنة والعمل والعيش المشترك والمشاركة، ففي هذه الأنساق الثقافية، تتعايش وتتصارع أنماط من الممارسات الثقافية، التي تُنتج النزوع الانقسامي والانفصالي، أو تُنتج في ذات الوقت، النزوع الذي يقوي التماسك الاجتماعي، ويجعل من التنوع والاختلاف أقانيم لإنتاج ما هو مشترك ووجودي، يجمع السوريين رغم تنوعهم، متجاوزا الولاءات التقليدية الضيقة، نحو ولاء وطني مشترك يحتفي بالجمعي والمشترك دون إلغاء الخصوصيات، لذا فالسؤال الآن حسب “حلاوة”: أي سياسات ثقافية نحتاجها، لإعادة تكوين وعي الإنسان السوري، ولتحصينه معرفيا وثقافيا، وما موقع الثقافة في هذه العملية؟ واضعا مسؤولية ربط الناس بالثقافة، على المؤسسات، وفي مقدمها وزارة الثقافة.
سؤال متنوع في الشكل والمضمون، والإجابة عنه يجب حسمها دون تأخير، من خلال التوصيات والمقترحات التي سوف يتم إعلانها في وقت لاحق، والتي قدم حلاوة بعضا منها، مثل توسيع دائرة المتلقي، تحويل المراكز الثقافية إلى مراكز إبداعية، معرفة اهتمامات الناس لجذبهم إلى الأنشطة الثقافية التي يرغبون، فالمتلقي هو الأهم في العملية الثقافية، وهذا ما خالفه مدير الجلسة د. البطرس معتبرا أن المتلقي ليس أهم من المؤلف أو النص، لأنه الأهم في استنتاج دلالات النص.

قيم التسامح ونبذ التعصب
الدولة مسؤولة عن القيم الثقافية وليس المجتمع هــذا مـــا يـــــراه د.إسماعيل مروة باعتبارها القدوة ويجب أن تكون كذلك، خصوصا وأن منظومة القيم المجتمعية تخضع لمجموعة من المؤثرات والقيم، التي هي من يحكم المجتمع بكل ما فيه، وهذه القيم خضعت لمؤثرات عديدة في زمن الحرب، أسهمت في ليّها وتحويلها من جانب إلى آخر، فهذه القيم التي خضعت لتأثر كبير منذ بداية الحرب على البلاد، لم تعد تمثل مجتمعا بكل تفصيلاته، بل صارت خاضعة للمؤثرات الآنية، فتارة يحكمها الجانب الأخلاقي، وتارة الجانب الديني، والأيديولوجي وغيرها من المؤثرات، التي يرى كل مؤثر فيها أنه هو الحقيقة وأنه المستحق للتسديد؛ “مروة” الذي تحدث عن عادات ثقافية رائعة كانت تحدث في سني دراسته الأولى ولم تعد موجودة الآن، كالذهاب إلى السينما شهريا للطلاب مقابل نصف ليرة، تتضمن حضور الفيلم والتوصيل ذهابا وإيابا، أوضح أنه لا يخفى على متابع أن العقود الأخيرة، شهدت انحسارا لمنظومة القيم الوطنية لصالح مؤثرات أخرى تم العمل عليها وفق أجندات جاهزة سلفا، في التحضير للحرب على سورية ومنذ التسعينيات، وهذا الانحسار سببه غياب البناء الحقيقي للقيم الوطنية، التي تقع على عاتق المؤسسات، التربوية والثقافية بشكل خاص، واللتين أيضا انحسر دورهما لصالح المؤثرات الأخرى.

تمّام علي بركات- جمان بركات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى