ثقافةصحيفة البعث

راحوا.. بيروت.. 2010

لم ينم الأصدقاء السّتة في تلك الليلة، كانت السّاعة قد قاربت الثّانية صباحاً حينما خرج أحمد للمشي، فلفت انتباهه أنّ سميح مازال مستيقظاً، أشعل سيجارته وجلس على الأرض إلى جانب سميح الذي كان يراقب الغيوم، وقاطع شروده قائلاً: “هي أطول ليلة بقضيها هون”.

ضحك سميح هامساً: “اشتقتلها”؟

-“كتير”..

مضت أكثر من ربع ساعةٍ وأحمدٌ وسميح جالسان بصمت.. بعدها سمعا صوت مشي فالتفتا، فإذا بنادر وفادي، يتجهان إليهما، ضحك سميح قائلا: “أحمد عشقان ومشتاق، أنتو شو مسهركن لهلأ”؟

فأجابه فادي: “قبل ما تسألنا، قلنا أنت ليش سهران”؟

أعاد نظره للأمام وقال: “ما بعرف كيف رح يمروا هالكم ساعة، والله طوال كتير”.

حينما وصل فادي ونادر ظلّا واقفين، فأشار إليهما أحمد ليجلسا، فأجابا أن الأرض باردة، مما استدعى ضحكة سميح: “على أساس عم نعمّر ونصبّ حد الشوفاجات، تعودنا ع البرد والشقا”.

نادر: “بس برد كتير، خلونا نفوت نقعد جوا، أحسن مانرجع لعند أهلنا بعد كل هالغياب مرضانين”.

أحمد: “الشباب نايمين وما بدنا نفيقون، كل واحد نايم وعم يحلم ببيتو وأهلو وحبيبتو”.

فادي: “مابظن حدا إجاه نوم، وياسر تحديدا بيكون فايق وناطر الصبح ليشوف ولادو”.

وأخيرا قرر الأربعة إرسال فادي ليستكشف لهم وضع زملائهم، حين دخل فادي إلى الغرفة فوجئ، بأن ياسر يعد كأسا من الشاي، فضحك وقال له: “ماحدا مسترجي يفوت، خايفين يزعجوك أنت وعبد الرحمن”. وقبل أن ينطق ياسر بكلمة، رفع عبد الرحمن رأسه عن وسادته وقال: “خليهن يجوا، ليش مين قادر ينام”؟

ضحك فادي بصوت عال: “رح نادي الشباب”.

خرج إلى خارج الغرفة وأطلق صفرة صغيرة، تحرك الأربعة على إثرها متجهين للداخل. ربع ساعة أخرى كان جو الغرفة مختلفاً تماماً عمّا كان عليه قبل قليل، فالجميع مستيقظ، بعضهم بدأ بشرب المتة، وآخر يعد كأساً من الزّهورات، وثالث يشرب قهوة.

كان عبد الرحمن  أصغر الموجودين، شابٌ حلبيٌ، يكثر من المزاح والنّكت، وكانت لهجته الحلبية أكثر ما قرّب زملاءه منه، فالجميع كان يحاول إثارة غضبه أحياناً وممازحته أحياناْ أخرى، ليستمع إلى اللّهجة الحلبيّة على أصولها، توفيت والدته وهو صغير، وتزوج والده من امرأة هي أقرب للسّجان، ولذلك عاش عبد الرحمن عند جدّه وجدّته اللذين لم يوافقا مسبقاً على زواج والده، لم يكمل دراسته، واضطر إلى العمل منذ صغره، حتى جاء به القدر إلى هذا المكان.

أما أحمد فكان لقبه العاشق المشتاق، ففي أي وقت يكلمه المرء يجده مشتاقاً لسلمى، ابنة خالته، التي حصلت على شهادة الثانوية العامّة وسجّلت في الجامعة، ورفعت رأسه كما اعتاد دوماً أن يقول، ولكي يؤمن لنفسه ولسلمى حياة رغيدة، انطلق للعمل في البناء في ورشة في بيروت، حيث هو الآن.

والد نادر طلّق والدته التي لم تتجاوز الـ 23 عاماً، لأنه تعرّف على أخرى أثناء تنقّله بين دمشق وبيروت للعمل، ولأن الثانية ذات أموال كثيرة، وتؤمّن له حياةً رغيدة، فقد ترك زوجته وطفله، وغادرهما ذات صيف، متذرّعاً بالسفر، ليرسل لزوجته بعد فترة ورقة الطلاق، ومؤخّرها الذي لم يتجاوز العشرة آلاف ليرة سورية، صرفتهما خلال شهرين. لم تترك والدة نادر عملا إلا وعملت به، لكنها كبرت، وحان دور نادر للعمل بجدٍّ ليعيل والدته.

ياسر كان والداً لثلاثة أطفال، هم جنّته، وشمسه، وكلّ جميلٍ في حياته، كانت صورة أطفاله معه أينما ذهب، وكأنّما كان يستمدّ منها طاقةً وقوّةً لمتابعة العمل والحياة القاسية.

فادي ليس لديه أبٌ ولا أم، ولا أيّ قريبٍ، من الميتم إلى الورشة، هذا ما نستطيع أن نختصر به حياته، التي لم تنصفه منذ ولادته، ولم تعطه إلا الوحدة والشّقاء، ولهذا فإن الجميع يتحضّر للعودة إلى منزله وأهله إلا فادي، سيبقى هنا ينتظرهم لحين عودتهم.

سميح، الرّجل الأكثر غموضاً، والأكثر حكمة بين الجميع، كان دائم الشّرود والتّفكير، لكنّه كان أيضاً دائم تقديم النّصح والمساعدة لزملائه. كان له أربعة أخوة وأبٌ وأمٌّ أخذ منهما العمر ما أخذ، وترك له مسؤولية العمل لتأمين قوت العائلة المؤلّفة من ستّة أشخاص، اثنين منهما لم يبصرا منذ اللحظة الأولى لولادتهما، ما حمّل الأبوين عبء العناية بهما ورعايتهما، ولذلك فقد كان سميح يعمل أكثر من زملائه، وقتاً وجهداً أكبر، ليحصّل نقوداً أكثر، ليستطيع وضع أخويه في دار لرعاية المكفوفين.

وهكذا، من كلّ مكان قصّة وجع وفقرٍ، جمعت ستة شباب، في غرفة صغيرة، تخلو من وسائل الرّاحة في إحدى ضواحي بيروت.. ستّة شباب، جاؤوا إلى لبنان للعمل، وتحصيل لقمة عيش لم يستطيعوا لها طريقاً في بلدهم.

نادر: “برأيكن رح نرجع نلاقي الدنيا علقانة بسورية متل ما عم يقولوا”.

سميح: “مافي شي، هي سورية، مانها مصر ولا ليبيا حتّى يصير فينا متل ماصار فيهن”.

أحمد: “إذا بيكون آخر يوم بحياتي بدي روح وشوف سلمى، يمكن موت قهر إذا ما شفتها”.

ضحك الجميع، وقطع ياسر ضحكتهم قائلاً: “بكل الأحوال لازم ننتبه، في مناطق علقت فيها عنجد، ومناطق الحمدلله لسه مافيها شي”.

عبد الرحمن: “حلب مافيها شي طاول، أخبارها عال العال، والكبب عم تتحضّرلي من أسبوع”.

أحمد: “لكن ياشباب برأيي نروح كلنا لعند عبد الرّحمن بالأوّل، ناكل كبب ومشاوي، وبعدا نروح ع بيوتنا، شورأيك ياسر”؟

التفت الجميع إلى ياسر الذي كان يشرب الشاي بصمت، يغلبه الشوق إلى أطفاله.

ياسر: “بس تتزوجوا انشالله ويصير عندكن ولاد، بتتمنوا تجوعوا ولا تنحرموا من شوفة ولادكن”.

فادي: “الله يخليلك ياهن”.

ثلاث ساعات أخرى، كانت الساعة قاربت السادسة، وعلى الرغم من النعاس الذي أصاب البعض، إلا أن الجميع أصر على البقاء مستيقظين، يقطعون الوقت بأحاديث الشّوق، وذكريات العمل، ونهفاته.

في تمام السادسة والنصف انطلقت الحافلة، وانطلقت معها قلوب من فيها شوقاً للوطن وللأهل، شوقا لرائحة الأرض، لابتسامات الأطفال، لسماء سورية الأكثر صفاء واتّساعاً.

حينما عبرت الحافلة الحدود السّورية اللّبنانية، كان الجميع مستيقظين، ولكنّ طول الطّريق، والسّهر في اليوم الفائت، إضافةً إلى العمل الشّاق جعل النوم يتسلّل إلى أعينهم، دون أن يعرفوا أن المجموعات الإرهابية تستوقف كل عابرٍ لتزرع حقدها وإرهابها في أرض اعتادت على الخير والسّلام.

استيقظ الجميع على صوت سائق الحافلة يحدّث أحدهم: “كلون عمّال، انتو مين. لطفك يا رب”.

دقائق بعدها، كان الرصاص يخترق جميع الأبدان…

صورة أطفال ياسر ملطّخة بالدّماء، وجهاز أحمد الخليوي يرنّ بصوت فيروز، يردّ عليه صوت غريب: الله أكبر.

مادلين جليس