ثقافةصحيفة البعث

المقاهي بين الأمس واليوم

 

لطالما اعتبر المقهى الشعبي في العديد من الأعمال الدرامية المحلية بأنواعها، والتي هي في بعض أوجهها محاكاة للواقع، وحتى في السير الشعبية المروية شفهيا أو في الوجدان الجمعي العام، مكانا له رمزيته الثقافية الاجتماعية المحترمة عند الناس وما يسمى “النخب” بأنواعها،بل وفي مراحل متقدمة من تاريخ سورية الحديث، كانت مقصدا للمثقفين السوريين والعرب عموما، وكأنها مركز إشعاع حضاري فكري، حيث كتب “نجيب محفوظ”-1911-2006-، معظم رواياته في المقهى، أيضا حكاية الراحل العبقري”محمد الماغوط”-1934-2006- ومقهى “أبو شفيق”، على سبيل المثال لا الحصر، فأغلب المشتغلين بالحقل الفني والأدبي كانوا من رواد تلك المقاهي، عندما كانت المشاحنات الفكرية والفلسفية والفنية تدور فوق العديد من طاولات المقهى، إثر عرض مسرحي ما، أو فيلم سينمائي أو أمسية شعرية، يصبح المقهى هو المقصد، ليعلو الصخب المرافق لنقاشات محمومة في كل شيء بين المتحاورين، وهم يرتشفون شايهم الثقيل ببطء وينفخون الدخان القلق من صدورهم بحركة مبالغ بها، وهناك من تراه يجلس وحيدا،وعلى أنغام نفس عجمي يقرأ جرائده مع فنجان قهوة، فالمكان الأليف يصبح مع الأيام هو ذاته رفيقا وصديقا ومدرسة أيضا.

هذا كان عهد الكثير من المقاهي المحلية لسنين بل لعقود طوال، مقاهٍ تخرج منها روائيون وسينمائيون، أهل مسرح ومغنى، كتّاب وفلاسفة وغيرهم، وهذه الحالة أي التي كان يُشكلها المقهى كمركز لقاء ثقافي شعبي-نخبوي، لم يعد منها سوى بعض المظاهر التي يمكن وصفها بالفلكلورية!، منها مثلا أن (المثقفين) وكأنهم اتفقوا بإجماع شبه ضمني ماضيا، على شكل المثقف وصفاته الخارجية، ذقن طويلة، حمراء طويلة، شعر طويل للرجال، حقيبة كالحة، بيريه مائلة على الرأس، معطف أسود، مع تجهم على المُحيا غير مفهوم الأسباب، وتذمر من كل شيء، مع عبسة خفيفة توحي بالجدية لزوم الشيء، وذلك تماشيا مع الموضة الثقافية التي كانت سائدة منذ الستينيات، بل أقدم محليا، سواء في دمشق أو مصر والعراق.

في المجمل حدث أن انطلقت من تلك المقاهي أفكار هامة في الفن والأدب عموما، أيضا منه بدأت شهرة العديد من نجوم الأدب والفن والسياسة، شخصيات مؤثرة في محيطها بل وخارجه، كان المقهى الشاهد المكاني الأول عليها؛ مقهى “الهافانا” كان مثلا ملتقى للنخب الفكرية المحلية والعربية، حيث كان السوري والعراقي والمصري والجزائري وغيرهم، جميعهم حاضرين في المكان، الذي صار اسمه أشهر من نار على علم، بعد أن تغيرت حيوات سياسية وفكرية واجتماعية كبيرة، بدأت تغيراتها الفعلية من ذاك المكان، الذي بقيت رمزيته متوهجة حتى اليوم، رغم كل ما طرأ على هذا المقهى، شكلا ومضمونا.

إلا أن هذا الحال تغير تماما، فالمقاهي اليوم، فقدت روادها من أصحاب الفكر والرأي والقلم لقد اختفوا، وحل مكانهم “شريبة المعسل” وأنصار برشلونة وريال مدريد، بعد أن حلت شاشات البلازما لنقل الحدث على الحيطان، التي هي بدورها تغيرت أيضا، وصارت لامعة، حيادية، بلا روح، كراسي القش اختفت، الألفة التي كانت تسود المكان كله، صارت هراء، وعن هذا يقول أبو بسام صاحب أحد المقاهي: “عاصرت أربعة أجيال أو أكثر خلال سنين عمري ال 70، في المقهى الذي كان لأبي، ولجده من قبل أبيه، لم نكن نقفل المقهى أبدا فرواده دائما حاضرون، وعمومهم كانوا من المهتمين بالآداب والفنون والناس الذين يريدون أن يتخففوا من أعباء الحياة، ويستمعوا لحديث شيق من أديب ما أو لحكاية من الحكواتي، ثم بدأ هذا الشيء بالتغير تدريجيا، قاومت ما حدث من تغيير كبير ورفضت أن اسمح لأبني بتحويله إلى كهف لا مقهى، لكنني كما ترى، أجلس هنا وما باليد حيلة، الزمان تغير، والمفاهيم كلها تقريبا أصابها ما أصابها”.

في الصور القديمة لمقهى العم أبو بسام، يحضر هذا المكان بروحه التي كانت وكأنها فسحة هاربة من الزمن، أناس بملامح مختلفة، طرابيش، جرائد، العديد من الكُتاب والفنانين الذين منهم من رحل، ومنهم من صار نجمه لامعا لا يطال، ولكن عند المقارنة مع واقع حاله اليوم، يبدو المقهى الجديد كصالة للديسكو.

تابع أبو بسام حديثه بأسى قائلا: “مرت فترة لم يعد أحد يأتينا، كبر الصغار، والأجيال كما تعرف، تحضر معها مفاهيمها، فما كان من ابني الكبير، إلا أن استلم زمام المبادرة، مغيرا كل شيء، حتى كرسي جدي لأبي، ولأبي ولي من بعده، الكرسي صار انتيكا، ولربما تم حرقه ولم يبق منه إلا الذكرى، كان وثيرا ودافئا.

مقهى حسب الزبون

واحدة من أم المظاهر التي كان يتمتع بها هذا المقهى الغني عن التعريف، عدا عن كونه في وسط المدينة، ويستطيع الجميع القدوم إليه، هو الاجتماعات الدورية التي كانت تحدث فيه بل اليومية، للعديد أيضا من أهل الأدب والفن، لقاءات للنقاش، شجارات، تبويس ذقون، اختلافات في الرأي، حتى أنه كان عنوانا دائما للعديد من الشخصيات المؤثرة في المشهد الثقافي والاجتماعي، يقول “نادر” وهو من رواده الدائمين: “تخيل إن حدث وتم طلب القبض على أحد ما من جماعة الأقلام النارية في ذاك الزمان، فإن البوليس لن يذهب لبيته، بل سيأتون إلى هنا، وغالبا ما يجدونه، حتى أن ألفة ورفقة صارت بينهم وبين بعض تلك الشخصيات”، صمت “نادر” محدقا بالمكان وتابع: “التغيير الذي طرأ على هذا المكان، هو نفسه في كل مكان مماثل، لكنه بقي على الأقل حتى الآن يحافظ على خصوصية المقهى، دعك من الأقسام الجديدة المكيفة والمزودة بشبكات النت وغيرها من تقليعات الزمان التي صارت أيضا من الصفات الشكلية الجديدة للمكان، هذا المكان لم يعد للبسطاء والطلاب أو المشتغلين في حقل من حقول الفن، فاليوم مثلا لكل زبون سعر خاص به، حسب هندامه وشكله العام، وإن كان مع الشاب مثلا صديقة، يتم “دوبلة” الأسعار تلقائيا رغم وجود لافتة تدل على السعر، لكنها شكلية فقط. وإن طلبت فاتورة، فهي ليست متوفرة كغيرها من الفواتير التي تستطيع الدولة بموجبها، معرفة القيمة العملانية الفعلية للمكان، وبالتالي فرض الضرائب المناسبة لدخله.

عموما ما طرأ على الزمان والمكان من تغيرات، كان لا بد له أن يطرأ أيضا على تلك المقاهي شكلا ومضمونا، لكن هذا التغيير لم يطل مقاه عديدة بعينها في دول أخرى لرمزيتها الثقافية والاجتماعية، كمقهى أم كلثوم في مصر مثلا، فهذا المقهى بالذات، له رمزية خاصة عند المثقفين المصريين، كذلك الأمر في العراق مقهى “المتنبي”، أيضا هو على حاله منذ ستينيات القرن المنصرم، وعندما نتحدث عن المقهى، فإننا لا نتحدث عن سوبر ماركت، ففي يوم ما كان لهذه المقاهي روح أصيلة، صدّرت إلى العالم حالات فكرية متنوعة وغنية، كانت طاولات المكان وكراسيه من الشهود عليها أصلا.

هنا قد تجد مثلا مكانا له صفة المقهى، يضع في إحدى زواياه، مكتبة فيها الكثير من الكتب المهمة، وتُقام فيه العديد من الأماسي الشعرية أو المعارض التشكيلية، إلا أنها شكلية عموما، لكن روح المكان لم تعد كذلك، وبين مسايرة العصر وفناء الروح، يبقى الحال معلقا على ما هو عليه، إنه الزمان وضروبه، ولن ينجو منه أحدا، حجرا كان، أم بشرا.

تمّام علي بركات