سباق التسلح حجة للابتزاز

لم تكن حجة أمريكا بشأن معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة التي فشلت المحادثات بشأنها بين الوفدين الروسي والأمريكي في جنيف مؤخراً سوى ذريعة أمريكية لعسكرة الفضاء الخارجي، وحجة لإعادة سباق التسلح، لفرض السيطرة العسكرية التي كانت أمريكا تتغنى بها منذ أيام الرئيس السابق رونالد ريغان.
إن مشروع ترامب والبنتاغون بالانسحاب من المعاهدات الخاصة بالصواريخ المتوسطة والقصيرة جاء في توقيت صعود روسيا إلى رأس الهرم العسكري، وإنتاج أسلحة ذات مواصفات لا تستطيع المنظومات الأمريكية تعقّبها، وهذا ما جاء صراحةً في التقرير الذي نشره البنتاغون بأن موسكو تقوم بنشر أنظمة صاروخية أكثر تطوّراً وتنوعاً، وذات مواصفات غير مسبوقة فيما يخص ارتفاع وسرعة ومدى تحليقها، وخاصة الصواريخ 9 أم 729  الموجهة ضد أهداف على الأرض.
والملفت في التقرير الأمريكي أنه يحمل طابع التهديد، وهذا ما لا تتحمّله موسكو، لأن الولايات المتحدة تتبع نهجاً يرمي إلى إزالة نظام الاتفاقات الدولية في مجال السيطرة على الأسلحة، وزيادة قدراتها العسكرية، أو تحاول تطبيقها بصورة اختيارية، أي ضمن الأبعاد التي تتماشى مع مصالحها.
لكن حتى الساعة لا تهتم روسيا باندلاع سباق تسلح جديد على الرغم من إعلان الولايات المتحدة نية الانسحاب من المعاهدة في بداية شباط القادم، إلا أن استمرار الولايات المتحدة بتوجيه إنذارات وطرح شروط مسبقة في حوارها مع روسيا حول هذا الموضوع ليس أسلوباً يمكن الاعتماد عليه في البحث عن حل مشكلات شديدة التعقيد مثل الحاصلة الآن.
وأكثر من ذلك تدرس إدارة ترامب إمكانية نشر عناصر الدفاع الصاروخي في الفضاء، وتصميم تقنيات ليزر لاستخدامها في أنظمة سيتم نصبها على أجهزة فضائية مسيّرة لرصد وتدمير الصواريخ في المراحل الأولى من تحليقها، ومن المتوقّع أن يلتحق الصاروخ الموجه “أس أم 3” للدفاع الجوي بالأنظمة الأمريكية المنتشرة في رومانيا وبولندا، واختبار قدراته على اعتراض صواريخ بالستية عابرة للقارات في عام 2020، كما جاء في تقرير البنتاغون.
من هنا يتبيّن أن السياسات الأمريكية في مجال الدفاع الصاروخي كانت ومازالت تتسم بلهجة المجابهة، وعلى الدوام كانت واشنطن تظهر رغبتها في تحقيق هيمنتها العسكرية على العالم، وقدرتها على القيام بعمليات عسكرية في أي منطقة من الكرة الأرضية، وأن الخطط الأمريكية الآن، هدفها إطلاق سباق التسلح، وإعادة إحياء برنامج ريغان لـ “حرب النجوم” على مستوى أعلى تقنياً، وما يترتب على ذلك من نفقات إضافية يعتقد صانع القرار الأمريكي أنه سيضعف من خلالها خصومه المفترضين مادياً واقتصادياً.
لكن حتى في تقديمها لهذه الاستراتيجية تتكئ واشنطن على حلفائها، وكأنها تحاول توريط العالم في هذا السباق، من خلال تطوير علاقات الشراكة مع دول أخرى لتبادل المعلومات حول إطلاق الصواريخ ومساراتها، وحتى بيع الأنظمة الأمريكية للدفاع الصاروخي والتقنية المتعلقة بها للحلفاء بعد تقاسم نفقات الدفاع الصاروخي.
علي اليوسف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى