ثقافةصحيفة البعث

لينا علي إبراهيم.. فراشة عبرت فضاء الزهر وغابت

 

كسحابة تعبر السماء على عجل فلا تمطر غيثها كاملاً.. تترك ناسها على جذع يابس ينتظرون عودة المطر، ويحلمون بغمامة الندى تعود إلى وديانها الخضراء ورباها الظليلة.. هكذا يبدو رحيل الشهيدة البطلة لينا علي إبراهيم التي غادرت دنيانا إلى عالم ربما يكون أكثر رحابة وتسامحاً.
إنها لعبة الحياة تنال منا دائماً حين يباغتنا الموت ونحن في غفلة من لحظاتنا، هذا الموت الذي لم نعتد عليه، رغم أنه الحقيقة المطلقة، ورغم محاصرته لنا في كل لحظة دائماً نتجاوز غدره وكأننا نطمئن على أن أحبتنا وأصحابنا بعيدون عنه وعن فجيعتنا بهم.. وكل حادث موت يعيدنا إلى أحزان مضت نستذكر عبرها كل من فقدناهم بالأمس، وبعدها تمضي الحياة برتابتها المعهودة ونحن ننتظر أفول العمر الذي طوينا خلاله ملامح وجوه كانت عوناً لنا في عتمة أيامنا، فتبقى ذاكرتنا تئن تحت وطأة الفقد والفراق. هكذا يبدو الرحيل الذي غيّب الكثير واليوم تغادرنا صبية في زهوة ربيعها كانت مثالاً للشجاعة والقوة.
لينا إبراهيم صبية آمنت أن النصر لا يأتي بالكلام والشعارات، بل بالدم القاني، فمثلت مدرسة من تضحية وكبرياء عندما ناداها الوطن فتطوعت لمساعدة الجرحى وإسعافهم، وكان لها من تبعات الحرب نصيب إذ أصيبت أثناء تأديتها لواجبها في إحدى المناطق الساخنة بدمشق إصابات بليغة تسببت لها بشلل نصفي، ورغم كل الألم لم تستسلم بل بقي وجهها وضاءً، بوضاءة وجه رفاقها الذين عاشت معهم أحلك اللحظات، وظل صوتها قوياً، بقوة صوت الحق الذي دافعت عنه هي ورفاقها واستشهدوا من أجله فشكلوا طوقاً من ياسمين زيّن جيد الوطن، وكانت دماؤهم عبقاً يحمل نسائم العزة والفخار، ورسموا باستشهادهم عزة أمتهم ووطنهم وكل من ينتمي إليهم ويسير على دربهم.
لينا لم تستسلم لجراحها وألمها بل حوّلته إلى قصائد من نصر ضمنتها بكتاب حمل عنوان: “حيّ على الزناد” وقد تعرفت إليها عبر الفضاء الأزرق من خلال بطاقة كتبتها في وداع العام المنصرم قرأتها على صفحة الصديق سامر عيسى، وقد أعجبتني كلماتها فاستأذنت بنشرها ومن ثم تواصلت معي وكانت كلماتها برقة الورد من خجلها وهي تسألني إذا كان بإمكانها أن ترسل نصوصاً لها لننشرها في صفحتنا الثقافية فرحبت بها، ثم تودعنا على أمل التواصل وكان هذا حديثنا الأول والأخير، إذ تفاجأت منذ أيام بخبر وفاتها بسبب مضاعفات الإصابة والمرض.
اليوم أكتب إليك أيتها الشهيدة البطلة علّ الكلمات تصل إليك محمّلة بصلاة مجبولة بلغة الألم والفقد، أختفي في كلماتي المكتوبة بوجع القلب وتعب الذاكرة، فاستشهادك ما هو إلا روح عطرة فاضت إلى جنة الخلود وتركت وراءها نسيم عطر نسعد برائحته.. نعرف أن الموكب طويل جداً، وقافلة الشهداء ينضم إليها كل يوم علم جديد.. آلاف من الشهداء ومن كل الأعمار يرتقون كل يوم وهم يرفعون الرايات المعطرة بدمائهم الزكية الطاهرة ليرسموا معالم وطن أدركوا بيقين الحقيقة التي اصطفاهم الله لأجلها كم يستحق من تضحيات وعطاءات.
النص الذي كتبته لينا ونشرناه في ليلة رأس السنة كان وداعاً للعام المنصرم وكأنها كانت تغازل قدرها عبر هذا النص الذي يقول:
قبل أن تصير في ذاكرة الـ “كان” أيها العام تمهّل قليلاً.. املأ جيبك بكلّ من لا يستحق البقاء في القلب، الحلم، بيانات النّصر، وحتّى الخريطة.. املأ جيبك بالرّماديين، المصفّقين لـ العيب والحرام، بأصحاب الأقنعة وممتهني الخذلان اللّئيم، وقبل ذلك كلّ أحمق يقدم فرصةً للعدو عرف أم لم يعرف.
اترك لنا ابتسامات الشّهداء أجراس ميلاد تتلو على موتنا المكرّر “فاتحة حياة”.. اترك لنا جموح المرابطين زيتاً نمسح به “تنوّع جراحنا” وسماحة العطاء في أعين المكابرات على الغياب دعه يسعى في مَدانا كـــَ الضّوء نسغ أمل.. واترك لنا كلّ كتفٍ حنون وقلب.. اترك لنا ياءات النّداء لأنّنا حافون إلّا من الانتظار.. نحن عتّالو الصّبر على بعد الأماني والأغاني بحظ السّنة الجديدة نقصّ الشّريطة البيضاء بيد الياسمين والأمل.. وأنت بكلّ نسيان منّا ” امض نحو حتفك”..
لينا.. كنت فراشة عبرت فضاء الزهر وغبت في سديم الأفق لتستقري في الملكوت الأعلى.. لروحك السكينة والسلام.. كان رحيلك باكراً يالينا.
سلوى عباس