رأيصحيفة البعث

وهل للحرب إيجابيات؟؟..

د. مهدي دخل الله

نعم لها إيجابيات … وإن كانت غير مقصودة…

الأصل في الحرب صدماتها السلبية الناتجة عن التدمير والقتل والعوز، صدمات توقظ قدراً كبيراً من الألم والقلق، ناهيك عن التضحيات الكبرى التي تلتهمها نيران الحرب..

لكن هناك «صدمات إيجابية» في الوعي الجمعي أيضاً.. نتذكر جميعاً قولاً مأثوراً للرئيس الأسد: نحن شعب نستولد الأمل من رحم الألم… أي أن الألم أُم الأمل، وهناك مصطلح آخر استخدمه السيد الرئيس هو مصطلح القلق الإيجابي.. أي أن هناك سلباً يولد إيجاباً. في هذا الإطار يمكن الحديث عن بعض «المنتجات الإيجابية» غير المقصودة للحرب، وهي منتجات تشكّل صدمات في الوعي..

1- صدمة أهمية السلام: نذكر قول الشاعر أن «الضد يُظهر حسنه الضد».. فالضد السلبي ضروري للضد الإيجابي، وهناك قول مأثور بأن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، وبالمنطق نفسه، فالسلام قيمة كبيرة لا ندرك أهميتها إلا في الحرب..

2- صدمة «كيف كنا»: قبل أيام اشتريت بعض الخضار بستمئة ليرة. قلت للبائع: إن هذه الأشياء كانت قبل الحرب بستين ليرة. لاحظ متحسراً: نعم، كم كنا عندها سعداء. إنها صدمة الوعي.. نعم، كم كنا سعداء. كان راتب الموظف العادي يساوي سبعمئة دولار (35 ألفاً)، إضافة للدخل غير المباشر، أي الخبز المدعوم والطاقة بكاملها بما فيها الكهرباء والمازوت وغيرها المدعومة أيضاً. أضف إلى ذلك الدراسة المجانية حتى مرحلة الدكتوراه، والخدمات الصحية الشاملة المجانية والدواء الرخيص جداً وغير ذلك، ما يجعل الدخل الحقيقي يفوق « الدخل الاسمي » بعدة مرات..

3- صدمة اكتشاف أهمية «الخير العام»: يميل الإنسان للاهتمام بخيره الخاص مع الاستهتار بالخير العام، ولا يهتم الوعي بالخير العام إلا إذا أصيب المجتمع «بالشر العام»، أي بالكارثة حرباً كانت أم غيرها.

اليوم تجد الإنسان الأوروبي حريصاً على «الخير العام»، هو أكثر حرصاً على نظافة الشارع من نظافة بيته.. إنه لا يمكن أن يلقي عقب سيجارة أو عبوة كولا فارغة في الطريق. السبب في ذلك أن الشعوب الأوروبية عاشت حربين عالميتين مدمرتين، فشعرت «بالشر العام» موزعاً على الجميع، فكان أن تعلمت أهمية الخير العام..

اليوم مجتمعنا بكامله يشعر «بالشر العام» المتمثل في الحرب، فهل نستخلص شعوراً بأهمية الخير العام كنظافة الطريق ونظام السير وعدم الاستهتار بمشاعر الآخرين في قيادة السيارة وركنها على الرصيف وغير ذلك؟؟..

4- صدمة اكتشاف أهمية الوطن: كنا نرى في الوطن تحصيلاً حاصلاً وأمراً بديهياً معطى لا حاجة للتعب من أجله. اليوم الوطن هو المستهدف في الحرب.. وهم يقتلوننا باستهدافهم الوطن .. اكتشفنا أن الوطن ليس مجرد جغرافيا.. هو باختصار نحن بدمنا ولحمنا، وبما أن دفاعنا عن حياتنا أمر عزيز وضروري، وليس تحصيلاً حاصلاً، فإننا نشعر أن الدفاع عن الوطن هو الدفاع عن حياتنا… إنه وعي إيجابي مهم وناتج عن الحرب… ولم يقصد مخططو الحرب ذلك..

المهم هنا أن هذه النتائج «الإيجابية» لا تظهر تلقائياً، وإنما عبر القدرة على التبصر في الأمر، والشعب الذي استطاع التصدي لأبشع الحروب لا شك في أنه قادر على التبصر..

mahdidakhlala@gmail.com