بعضٌ من خصائص الوعي الجمعي لدى السوريين

بعضٌ من خصائص الوعي الجمعي لدى السوريين

د. مهدي دخل الله

يزور سورية عدد لا بأس به من المراقبين والباحثين الأجانب. أهم سؤال يطرحونه طرح المندهش: كيف استطاع شعب صغير نسبياً في بلد ما يزال يحبو على طريق التطور أن يتصدى لهذا الحشد الكبير من الأعداء؟؟..

إنه سؤال له ما يسوغه، وهو سؤال مطلوب علمياً بغض النظر عن اصطفافات السائلين الثقافية والسياسية!..

ولا شك في أن محاولة الجواب عن هذا السؤال المحفّز لا بد أن تنطلق من البحث في تلافيف الوعي الجمعي لدى السوريين .. ما هي خصائص هذا الوعي الأكثر بروزاً؟؟..

< المقاومة (1): ليست المقاومة عند السوريين مجرد رد فعل. إنها ثقافة تكاد تتخطى حدود العقل لتدخل في مجال الطبع والحدس. وجّه أصدقاء يوسف العظمة، بطل ميسلون، سؤالاً حائراً له: لماذا تذهب مع أصحابك المتطوعين للقاء الفرنسيين، وأنت تعلم أنه مجرد انتحار؟؟..

سؤال وجيه عقلياً ومنطقياً … لكن الجواب يستند إلى الحدس والطبع.

أعلم ذلك – أجابهم يوسف – لكني وأصحابي، لا نريد أن يكتب التاريخ أن المعتدين دخلوا إلى سورية، ولو مرة واحدة، دون مقاومة !!..

< المقاومة (2): يكتب المرحوم الفريق حسن باشا الفقير في مذكراته أنه عندما سمع الدمشقيون بخروج العظمة لمواجهة الفرنسيين اتجهوا تلقائياً بقطار الزبداني باتجاه ميسلون، وهم يحملون العصي وبعض السيوف وأربع بنادق فقط لملاقاة أعداء الوطن…

إنه الطبع والتلقائية.. وهذه ليست بحاجة إلى تفكير، لأن التفكير بارد وحيادي. إنه يستند إلى الموازنة بين الأحجام والقوى، ويستخلص النتائج من المقدمات، وكأن الوطن والناس مجرد رموز في معادلات فكرية ومنطقية مجردة..

كان توازن القوى في ميسلون مختلاً تماماً لصالح الفرنسيين، وهو اليوم مختل تماماً لصالح الناتو والصهاينة والتابعين من الرجعية العربية… في ميسلون 674 رجلاً فقط من دون سلاح عملياً واجهوا ببسالة أقوى جيش استعماري في تلك الفترة… أكثر من أحد عشر ألف جندي فرنسي بقيادة الجنرال غواييه مدججين بالسلاح، 15 دبابة وخمس طائرات ومئة سيارة نقل و48 مدفعاً حديثاً…

والدهشة تزداد عندما نعلم أن خسائر الفرنسيين كانت أكثر من 2040  بين قتيل وجريح..

أخشى أن أقترب كثيراً من العنصرية إذا أكدت أن “معدن” السوريين يختلف عن غيره من “المعادن”. شعوب عديدة في المنطقة استكانت للاستعمار طويلاً حتى خرج من أرضها بحكم التطورات الدولية لا بحكم المقاومة.. لكن المستعمر في سورية كان دائماً  “سيئ الحظ”، حيث انطلق التصدي له منذ اليوم الأول بقوة أدهشت كل مراقب موضوعي..

هل بقي من يستغرب اليوم لماذا هذا الحشد غير المسبوق ضد سورية؟

هي محاولة فاشلة سبقتها عشرات المحاولات للقضاء على “الظاهرة السورية” الاستثنائية فعلاً.. الاستعمار القديم ذهب، والجديد سيذهب.. الذي يبقى على هذه الأرض الظاهرة السورية … فقط.

mahdidakhlala@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة