التّشاركية: كأمرٍ واقع..!

أمّا قد تبلورت خطوات الحكومة الأكثر إلحاحاً، وتجسيداً لرؤيتها المستقبلية، من خلال تكليف مجموعة عمل من وزارات: الاقتصاد، والتّجارة الخارجية، والمالية، والصّناعة، بإعداد ورقة عمل لسياسة إحلال بدائل المستوردات، دعماً للإنتاج، والتخفُّف من فاتورة المستوردات، والإسراع في الإقلاع بصناعة هذه البدائل لسدّ حاجة السّوق وصولاً إلى مرحلة تصديرها، وتمخّض الاتفاق عن اعتماد التشاركية في صناعات: الخميرة والإطارات والورق، بسبب ما تعانيه الصّناعات الثّلاث من فجوة في الإنتاج، ومن ارتفاع في فاتورة القطع اللازمة لاستيرادها، وتشديد الحكومة على تقديم جميع أشكال الدّعم والتّسهيلات اللازمة لوضعها على سكة الإنتاج.!

فلا بدّ من الاعتراف بصحّة وواقعيّة الطّروحات التي لطالما نادت: أن لا مفرّ من التّشاركية، (بعيداً عن بعبع الخصخصة)، بحيث تحافظ الدّولة على ملكيتها العامّة على غرار الكثير من الدّول الاشتراكيّة، وفي مقدمها النّموذج الصّيني..!

ولعلّ اللّباقة تستدرج مصطلح: “إعادة الهيكلة” في تبرير التّشاركية عوضاً عن دفن بعض شركاتنا العامّة المُستنزفة للموازنة العامّة، هروباً من مصطلحات الخسارة ومرادفاتها، في ظلّ إمكانية غير خافية لآليات القياس كشاهد إثبات على ضرورة هذا الإجراء- إن لم نقل حتميّته- ألف بائها: الاستبيان واستطلاعات الرّأي ورجع الصّدى، ومن ثمّ مناهج التّقييم الموضوعية القبلية والبعديّة المُعتمدة عالمياً في رسم وصناعة السّياسات الاقتصادية..!

تشاركيّةٌ بديلةٌ عن الدّفن، تستحضر باللّاوعي الإقرار بأنّنا لن نكتشف جديداً، إذا ما اعترفنا بحقيقة وجود تلك الشركات العامة الخاسرة؛ إنتاجية كانت أم إنشائية، بين ظهرانينا، وبأنّ خساراتها لم تتأتَ من سني الأزمة الثّماني، إذْ لطالما كانت ترفل بعباءة الخسارة أيام “اللّولو” بينما أضنانا- ولا يزال- انتظار الإعلان الرّسمي عن نعيها، على الرّغم من غزارة آليات القياس الرّسمية منها والنّقابية المُقرّة بخساراتها..!

والحال أنّ إعادة هيكلة هذا النّسق الخاسر من القطاع العام بكلّ تركاته ومآلاته السّلبيّة؛ لم يعُد خطّاً أحمر، بعدما باتت تتملكنا الخشية ويعترينا القلق المشروع على مصير شركاتنا العامّة الأخرى، ولاسيما الحدّية منها.!

رُبّ أصوات نقابيّة عماليّة ستقول: بضرورة الوقوف النّوعي والمتخصّص على العوامل الآيلة بتلك الشّركات الخاسرة إلى هذا الواقع المؤلم وما كبّدت- وتكبّد- الخزينة العامة من استنزاف، كلّنا في غنىً عن استمراره، وذلك من قبل لجان مشتركة تضمّ خبراء ومفتّشين من القطاعين العام والخاص، تستعرض الخطّ البيانيّ لأداء كلّ من هذه الشّركات على حدة، وتحدّد بدقة وموضوعيّة جملة الأسباب والعوامل المنتجة لهذا المشهد! فليكُن..!

وإذا ما خلصت إلى ضرورة تغيير الآليّة أو الذّهنيّة بارتساماتها كافة؛ فليكن التّغيير، ولتكُن التّشاركية؛ كأمرٍ واقع لابُدّ منه، ولنبتعد عن ملهاة البحث عن مشجب، أو الدّخول في مأساة جلد الذّات، بغضّ النّظر عمّا تنطوي عليه من مشروعيّة؛ تفرضها صيرورة الأشياء، وديناميّات التّعاطي السّلس والهادئ، ومن ثمّ فلنجترح آليات الحفاظ على باقي شركاتنا درءًا لسوس الخسارة من أن ينخر جسدها، وصوناً لقطاعنا العام في المطلق؛ بما هو مظلّة أمانٍ واستقرار..!

أيمن علي

Aymanali66@hotmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *