انتهاء حلم من لشبونة إلى فلاديفوستوك

عناية ناصر

العلاقات الروسية مع أوروبا هي جزء من قصة معقّدة متجذرة في المجالات العسكرية والاقتصادية والإيديولوجية في كثير من الأحيان، وقد حاول الطرفان على مدى قرون إيجاد طريقة للتوافق بينهما، لكنهما فشلا حتى الآن. كان أحد الحلول المقترحة بناء مجال اقتصادي لأوروبا وروسيا يمتد من لشبونة إلى فلاديفوستوك، وهو الفضاء الذي يتميّز باقتصاد موحد وفهم سياسي وحتى تعاون عسكري عميق.
أيّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الفكرة لسنوات، وقد ألقى خطابات عدة حول القضية. لم يكن بوتين أول من اقترح الفكرة، ولكنه كان يعكس فقط مناقشات أيديولوجية مماثلة من الماضي.

إن الاتحاد العابر للقارات الذي يمتد عبر المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ هو مفهوم جيوبوليتيكي يعاود الظهور من وقت لآخر ويرتبط بالأوراسية الجديدة، وقد كان هذا الفضاء الجيوسياسي في حقبة سابقة يتكوّن من ثلاثي ألمانيا النازية، وروسيا السوفييتية ، واليابان الإمبراطورية. وأن أحد وجوه المشروع من لشبونة إلى فلاديفوستوك، والذي قد يُطلق عليه أيضاً اسم “أوراسيا الكبرى”، أنه يجعل من روسيا محوراً للغرب. وكانت هذه الفكرة جذابة بالنسبة إلى الأوروبيين والروس. حتى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالت ذات مرة إنها تأمل “أن تطور روسيا بشكل متزايد العلاقات مع المنطقة الاقتصادية الأوروبية، مما يؤدي في النهاية إلى منطقة اقتصادية مشتركة من لشبونة إلى فلاديفوستوك”.

كيف سيبدو مثل هذا التعاون؟ ربما يعني ذلك على الأقل اتفاقية تجارة حرة (FTA)، والتي قد تتضمن سماتها الأساسية تخفيض التعريفات الجمركية والحواجز غير الجمركية. ومن المحتمل أن تكون المصالح التجارية في الاتحاد الأوروبي وكذلك روسيا داعمة لمثل هذا الاقتراح. يقول بوتين: “في المستقبل، يمكننا حتى التفكير في منطقة تجارة حرة أو حتى بأشكال أكثر تطوراً للتكامل الاقتصادي، وستكون النتيجة سوقاً قارية موحدة بقدرة تصل إلى تريليونات من اليورو”.

قد يظن المرء أن اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي ستكون بالنسبة للاتحاد الأوروبي اقتراحاً مفيداً من وجهة نظر اقتصادية، إذ أنها ستوفر وصولًا تفضيلياً إلى سوق مهمة. لكن المرء يتوقع أن الشروط المسبقة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على هذه المفاوضات ستكون كثيرة وصارمة للغاية. أما بالنسبة لموسكو، فقد يكون هذا الموقع أكثر فائدة من الناحية الاقتصادية، فاتفاقية الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي يمكن أن تكون جسراً لمبادرة الحزام والطريق  التي تطرحها الصين للتواصل مع السوق الأوروبية.

على الخريطة، تبدو المبادرة منطقية وجذابة، لكن في الواقع، فإن مبادرة الحزام والطريق، ورغم أنها ليست ضد التعاون مع الكتل الأخرى، لا تزال تهدف إلى جذب الموارد الأوراسية الرئيسية لنفسها. وسوف يكون انجذاب اتفاقية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الأوروبي الآسيوي إلى روسيا بالتأكيد أضعف في العمق من انجذاب مبادرة الحزام والطريق إلى بكين.

بالعودة إلى الفضاء الاقتصادي الروسي- الأوروبي الموحد، يبقى السؤال الأساسي حول ما إذا كانت روسيا ستعتبر اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي في مصلحتها أم لا؟! وهل تُعدّ فكرة من “لشبونة إلى فلاديفوستوك” جديّة؟. يخشى الكثيرون في روسيا من أن تكون اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي غير متوازنة للغاية، أو أن تكون غير متناسقة وتميل لصالح الاتحاد الأوروبي. وبالفعل، فإن معظم الصادرات الروسية إلى الاتحاد الأوروبي، مثل النفط والغاز، يجري تداولها بالفعل دون تعريفات، كما أن التحدي الذي يواجه أي اقتصاد نفطي في الحفاظ على قطاع صناعي كبير وتنافسي سيكون مهمّة صعبة على روسيا. لقد تشكّلت صورة وردية جميلة عن الموقفين فيما يتعلق بالمشروع قبل عدة سنوات، وفي الفترة التي سبقت أزمة أوكرانيا.

عند مناقشة التحركات الجيوسياسية الروسية، يتعيّن على المرء أن يتذكر مدى أهمية أوكرانيا وكيف كانت عاملاً دافعاً في حسابات روسيا. ولطالما كانت أوكرانيا هي النقطة الرئيسية لأي مشاريع روسية كبيرة في الماضي والحاضر. الاتفاقية الاقتصادية الأوروبية الآسيوية الحديثة، مشروع طموح يتعدّى مجرد إزالة الحدود البسيطة بين البلدان السوفييتية السابقة الخمسة (أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا)، لكنه ضعيف اقتصادياً وجغرافياً دون أوكرانيا. ويعتقد الكثيرون أنه حتى قبل الأزمة الأوكرانية، كانت العلاقات بين روسيا وأوروبا متوترة وكانت الأزمة حتمية، ولكن ينبغي ألا  ننسى أن أوكرانيا هي التي جعلت الاختلافات مستعصية على الحل. بل يمكن القول إن الأزمة الأوكرانية تضع حداً لأي وجهة نظر إستراتيجية كبيرة بين روسيا وأوروبا. ولهذا يمكن القول إن رؤية “من لشبونة- فلاديفوستوك” قد انتهت الآن.

أبعد من المسألة الأوكرانية أيضاً هناك قضايا أخرى مهمّة والتي من المرجح أن توقف أي تعزيز لمشروع أوراسيا الكبرى. إن أوروبا وروسيا ليستا مجرد كتلتين اقتصاديتين متنافستين، بل هما كتلتان ذات قيم وأنظمة سياسية متعارضة.

علاوة على ذلك، ومن خلال منظور طويل الأمد، نرى أن التخلي عن رؤية “من لشبونة إلى فلاديفوستوك” الكبرى يتبع ما يحدث في جميع أنحاء القارة الأوراسية، حيث عادت البراغماتية والاعتماد على المصالح والقدرات الحقيقية إلى الواجهة في أعقاب الأمل بتعاون الطرفين بعد سنوات الحرب الباردة.

وعلى مدى السنوات العديدة الماضية، اتجهت روسيا أيضاً نحو الشرق. وبينما يتمّ طرح السؤال حول مدى عمق المحور الروسي الشرقي، إلا أن بعض الاتجاهات الجيوسياسية تقودنا إلى دعم الفكرة كحقيقة. تصوّر موسكو هذه السياسة على أنها اختيارها الخاص، لكن الحقيقة هي أنها تكوّنت من ثلاثة طرق كبرى (أوروبا الشرقية، وجنوب القوقاز، وآسيا الوسطى) وعبر إسقاطات النفوذ الجيوسياسي الروسي، إنها في وسط آسيا فقط، لا تلقى موسكو قوة دفع كبيرة من أي قوة غربية، في حين لا ينظر إلى التأثير الصيني إلا في الاقتصاد. إن هذا التصور المبسّط لتجسيد القوة الروسية أمر واضح تماماً، في الوقت الذي تنجذب فيه موسكو إلى الشرق بدلاً من الغرب، مما يعرقل الخطط الكبرى للفضاء الاقتصادي من لشبونة إلى فلاديفوستوك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *