لماذا يكون العروبي بالضرورة مقاوماً ؟

لماذا يكون العروبي بالضرورة مقاوماً ؟

 

بُعيد نشر البيان الختامي للاتحاد البرلماني العربي في اجتماع دورته الـ 29 في الأردن نشرت صحيفة “معاريف” الصهيونية تحليلاً بيّنت فيه لماذا “احتمالات تطبيق صفقة القرن هزيلة وأقرب إلى الصفر؟”. وهنا من المهم واللافت للانتباه والتقدير والأمل في هذا البيان تشديده على ضرورة وقف كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتأكيده على الاستمرار في الجهود الداعمة للقضية الفلسطينية، ودعوته إلى تشكيل خلايا عمل برلمانية عربية تسعى في كل المحافل والمنابر إلى دعم صمود الشعب الفلسطيني، وذلك رغم بروز تيار في الاجتماع مهرول في السر والعلن إلى الاستسلام – لا السلام – والتطبيع، تيار فشل في توطيد رؤيته الانهزامية. وقد كان حضور وفد مجلس الشعب في الجمهورية العربية السورية فاعلاً وواضحاً في الوصول إلى هكذا بيان.
هذا البيان بارقة أمل في هذا الزمن الصعب، أمل مقترن بالتساؤل عمّا سيتخذه النظام الرسمي العربي من قرارات في القمة العربية في تونس أواخر الشهر الجاري، والتي تسعى “الخليجية السياسية” إلى الاستبداد بها، كما هو واضح من تصريحات الجبير بالأمس في لقائه مع السيد لافروف حين نصّب نفسه مقرراً عن الآخرين، وآمراً وناهياً لمن سيحضر ولمن لن يحضر، وبالتالي مبشّراً مسبقاً بالبيان الختامي.
في هذا الزمن العربي الصعب صار واضحاً بجلاء أن أي عمل عربي مشترك لا يتفهّم أهمية تجديد حضور المشروع القومي العربي وضرورته، لا يكون عملاً عروبياً بالمطلق، تجديداً ينطلق ليس فقط من تراث نضالي لحركة التحرر الوطني العربية، بل من البناء على توطيد ثقافة جمعية عربية جامعة تحررية متكاملة، “معاصرة” بوسائلها وأهدافها، تنطوي على “مضامين جديدة” تتناسب مع الاستجابة لمواجهة التحديات الراهنة التي ترزح تحت وطأتها المجتمعات والأقطار والأمة العربية.
ولا شك في أن أبرز تجليات هذه الثقافة الجمعية التحررية هي ثقافة المقاومة التي تصدّت في القرن الماضي لشكلين من أشكال الاستعمار العثماني القديم، والأوروبي الجديد، وعليها وحدها يعوّل في التصدي للشكل الثالث والأخطر وهو الاحتلال الاستيطاني الصهيوني الإرهابي، هذا الشكل الثالث الذي تتوسّع – مع الأسف – دائرة الهرولة للاستسلام أمامه، والتطبيع معه، ما يجعل – بالمقابل – أي إساءة إلى هذه المقاومة طعناً في الظهر للمشروع الوطني والعروبي التحرري.
ومن هذا القبيل يغدو حضور “العروبي المقاوم” ثقيل الوطأة على النظام العربي الذي تعمل الخليجية السياسية المأجورة على الاستبداد به، وهذا تحدٍ خطير وكبير ولا سيما حين يتأكد اليوم أن العروبي المقاوم لا هم له يعلو على القضية المركزية للعرب، وللمسلمين أيضاً، ولا عدو له إلّا العدو الصهيوني، أو المشروع الصهيوني بأهدافه، ووسائله أيضاً التي ينتصر لها تيار الاستسلام والتطبيع وداعموه من التحالف الصهيوأطلسي الرجعي “العربي”.
إن كل ممانعة للمشروع المقاوم، وعرقلة له وتنديد به هي إفراط في العمالة للتحالف المذكور، وتفريط بالحقوق الوطنية والعربية، وخيانة للأمن الوطني والقومي العربي، وضرب للقضية الفلسطينية، ودعم للصهيونية لا شك، وكل من يستهدف المقاومة بمفهومها التاريخي والمعاصر فإنه ينخرط في، وينتصر لـ:
1- التطبيع مع العدو الصهيوني والاستسلام أمامه في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، والعسكرية أيضاً ببعديها الاستيطاني والإرهابي “التوسّعي والإبادي”. وهذا كلام واقعي، وليس إيديولوجياً ولا حزبياً.
2- تصفية مفهوم القضية الفلسطينية المركزية، وصفة “المركزية” هنا لا تتصل فقط بالمقدسات والحقوق، بل بخطر الإيديولوجية التلمودية الإحلالية الإبادية التوسّعية. كما يتصل مفهوم التصفية هذا بانحراف في مركزية الصراع والخطر قائم على التضليل والعمالة بنقله من الخطر الصهيوني إلى الخطر “الإيراني” المزعوم… وصولاً إلى طروحات محور الشر، وتطييف المقاومة الوطنية والعربية والإسلامية.
3- الإجهاز على المشروع الوطني والقومي العربي التحرري، واستبداله بالمشروع الجهادي التكفيري المتطرف العابر والجوال والمدعوم بكافة أشكال الدعم من ذلك التحالف المذكور.
4- الإساءة إلى التاريخ العربي الإسلامي بأفقه الحضاري، وتكريس الإسلام الجهادي المعولم كنسق في هذا الأفق يجب توظيفه والرهان عليه، والاستثمار فيه. والعبث بالإسلام التاريخي المحمدي، وتذرير الإسلام إلى: تاريخي – سياسي – جهادي… إلخ، في وقت لا يستطيع عاقل أن ينكر النزوع النهضوي التحرري الوطني والعروبي عند المسلمين، وأكبر شاهد على ذلك إسهام رجالات الإسلام في حركة النهضة والتحرر الوطنية والعربية في القرن الماضي إلى جانب رجال الدين المسيحي. مع اعتبار قبول الإسلام السياسي وأهميته وفق معيار الوفاء للقضية المركزية وما يتصل بذلك من الصلة بين العروبة والمقاومة.
إن الأنظمة التي تحشر نفسها في مناهضة المشروع المقاوم تدعم بالمحصلة المشروع الصهيوني الذي لم تعد تعتبره عدواً، وبالتالي عليها أن تصطنع عدواً خارجياً ظناً منها أنها تصادر بذلك وعي شعبها، فلا تجد والحالة هذه ذريعة إلّا العداء لمحور المقاومة.
وبناء على ذلك يقع على عاتق الأحزاب والمنظمات والنقابات الوطنية والعروبية، وعلى ثقافة المقاومة ونهجها نشر وترسيخ أدبيات “جديدة” ثقافية واجتماعية وفنية في الشارع العربي لا تكتفي بالإشادة بما تحققه سياسياً وميدانياً، لأن الأجيال أمام تضليل وتزييف مدعومين بالبترودولار يستهدفان الوعي والهوية والحقوق والثوابت والمقدسات.
وإذا كان هناك من يظن أن محور المقاومة يعاني من تحديات ومخاطر كبيرة، فعليه أن يكون على يقين أن الطرف المعادي قلق ويعاني أكثر، فقلقه وخوفه من الإحباط أكبر.
في هذا الأفق الرحيب أكد القائد الأسد مراراً أن: “تكلفة الصمود والمقاومة مهما بلغت تبقى أقل بكثير من تكلفة الخضوع والاستسلام”.
د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة