الفارس ترجل عن حصانه

 

د. نهلة عيسى

عندما وصلت إلى أبي, كانت الدنيا تمطر, فسابقت دموعي المطر, وتهدج صوت القلب, بل ربما توقف, عندما وطأت قدماي الأرض التي سيدفن فيها بعد قليل, فرفعت لا شعورياً أول قدم, وصرخت: احملوني هذه أرض مباركة, ستحتضن بعد قليل أطهر البشر, ثم تداعى باب تماسكي وتجلدي لتنهمر كالطوفان قصص الحنان, ذكريات الطفولة, ابتسامات الضحى, حيث كان أبي يسوعي المرتجى, يترجل عن صليبه كل صباح ليطبع على خدودي القبلات كما تطبع الشمس بنورها الصور على الحجر, وليهمس في أذني: أنت أجمل ما في الكون, فأصدق أني الأجمل, لكن من سيقنعني بعده أنني الأجمل وقد رحل؟.
وصلت حيث توسد قديسي, أبارز قلبي المفجوع دون لثام, فلاقاني المطر, يغسل الظلال والأوهام عن خلود من نحب, حيث في البال ظنون تقارع الحقيقة على اليقين أن الآباء والأمهات ليس لعمرهم عمر, ويكشف عن خفايا الدروب, عن الصور, عن النقوش في القلب, أمنيات, ودعوات, وتاريخ مديد كنا فيه معاً يداً بيد, ووعداً يبدو كالنبوءة, يحلف لي فيه: سأبقى حتى على عهدك تستوين, فيرف الدمع على فمي المزموم وتهتز الشفة, تراني استويت يا أبي, أم تراك استويت وتركتني طفلة, تحتضن وجهك, تدلك أقدامك بالقبلات, وتضم جسدك وبعض فراش الموت إلى الصدر, وتصرخ بعلو الصوت: أنا لا يموت أبي؟! وصلت إلى قديسي, وصوته رفيقي, قال لي في الصباح: صباح الخير, وأنه بخير, وأن صوتي الحلو يوقظ الصباح في داخلي, فأرد على الصوت الرفيق: يا أبي ضحكت علي, جاملت جنوني, وزعمت النوم ورحلت كما عشت برقي وصمت, لكي لا تعكر علينا صفو الجو, ونسيت يا جميل, يا حبيب, يا أمير: أنك أنت الجو, وأنك “بطانية الدفا”, وأنك العمر السعيد الذي مضى, وأنك الوسام, وأنك العلم, وأنك خريطة البلاد تدلني على البلاد, وتوصيني بالثبات على الحدود حتى ينزع حماة البلاد النقاب المصفر عن وجه الوطن, ويرسمون النصر علامة للأبد.
أصل إلى قديسي, لاحتضن الجسد, أبحث فيه عن الجندي, عن القائد, عن الرجل الذي نازل ولم يتنازل, عن المدرسة في حب الوطن, عن نشيد “بلاد العرب أوطاني” وقد كان حفظه الطريق إلى قلب هذا الجسد, فتتجمع سحب الفخر فوق رأسي كومة فوق كومة, تعد بمزيد من المطر, وتحملني مركبة الاعتزاز تشد الأفق إلى السماء, وفي المجرى الذي ينساب بين الدمعة والدمعة احتضن بزة عسكرية كانت لصيقة هذا الجسد, متوجة بالنجوم, بالسيوف, بالشرائط الحمر, والأوسمة, وبآلاف الجنود يسدون الطريق إلى القبر يقولون: هذا أبونا, فيواسيني أنني أخت أنبل البشر.
وعلى قمة القمة, قمة الحق أننا جميعاً راحلون, وقفت مع الأهل, مع الجند, أتملى في الجسد يواريه التراب, أصرخ بعلو الصوت: فخورة أنا أني ابنتك, فخورة أني بعض النقاء والتقى، وكم سأفتقدك ياوجهي الحلوَ, فيجاوبني صوته مع الصدى: أخوة يوسف يغادرون الوطن, وآن الأوان لتعيدوا يا ابنتي القمر, والأيدي يجمعها الحب, والجفون يسدلها الخجل, والألسنة أقصى ما تتشاكاه العتب: لم نراكم منذ يومين!؟.
على قمة القمة مع الجند, همس في أذني الجسد الذي تحت التراب يوارى: لا تخافي، خطوك إلي سيكون مديداً؟ قلت: ماذا؟ قال: أنا لم أغادر, ألاتذكرين كنت هنا معك منذ أيام, العام السابق وقبله أربعة أعوام, نزور أمك ونعدها بقرب اللقاء, أنا فقط أفي بما وعدت, وتعرفين أني عمري ما كذبت, فغمرني الخجل, كيف اخطأت الكلام, وكيف كنت أعاتب النبيل, هل يمكن لمثلك أن يكون إلا وفياً, وفعله وقوله في قمة القمم, فاعتذرت لأبي, رد: لا تعتذري, خطوك ماضل يوماً عني السبيل, وعانقني وعيوننا متشابكات في شريط ماضي الذكريات الطويل السعيد, حيث يردد الصدى قصائد المتنبي في الأمير, وحيث وجه يسوع مرتسم على أحجار يسجى تحتها جسد أبي, يرتل لروحه, ويقول: اصبري!؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى