المزاجية والمحسوبيات تتحكم في تنفيذ تقارير الأجهزة الرقابية بــــرق لـ”البعــث”: تمهّــد الطريــق أمــام الفاســدين للاســتمرار فــي الاختلاســـات والتجـــاوزات

 

دمشق – محمد زكريا
ما تزال إلزامية تطبيق نتائج التقارير التحقيقية الصادرة عن أجهزة الرقابة غائبة عن كثير من الجهات العامة، إذ يلجأ البعض منهم إلى الابتعاد عن تنفيذ وتطبيق ما تتضمنه تلك التقارير لأسباب تتعلق بعدم قناعة الجهات نفسها بنتائج التقارير التي يعتبرونها أحياناً شخصية، ولا تخضع إلى الموضوعية والعلمية، وبالتالي من المستبعد تنفيذها، كما تلجأ بعض الجهات إلى التسويف والتأخر في الرد على نتائج التقارير التحقيقية بحجج؛ مقامها الأول المصالح الشخصية والمحسوبيات، وكل ذلك -حسب رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية محمد برق- يمكن أن يمهّد الطريق أمام الفاسدين للاستمرارية في الاختلاسات والتجاوزات غير مكترثين بما تقوله وتشير إليه تقارير الرقابة، لافتاً إلى أن المهلة المعطاة لتطبيق ما يصدر عن الأجهزة الرقابة هو شهر فقط، إلا إذا كان هنالك إحالة إلى القضاء، وأن على الجهات العامة الإجابة عن المقترحات والتوصيات الواردة في التقارير الرقابية خلال الفترة المذكورة.

مزاجية
وأوضح برق لـ”البعث” إلى ضرورة إحداث دائرة أو لجنة في كل مؤسسة مهمتها تطبيق ومتابعة ما يصدر عن الأجهزة الرقابية سواء لجهة نتائج التقارير أم لجهة توصيات ومقترحات صادرة عن الأجهزة الرقابية، مشيراً إلى المزاجية التي يتعامل بها بعض مديري المؤسسات العامة مع تلك التقارير، وعدم تقييدهم أحياناً بتلك القرارات الصادرة عن الأجهزة، مبيناً أن المادة 28 من قانون الجهاز المركزي تشير بوضوح إلى الحالات التي تستوجب التحقيق في عدم الرد على مكاتبات الجهاز أو حالات التسويف في الإجابة، وأن ما تقوم به الجهات الرقابية من مقترحات في تقاريرها ليس إلا خطوة في تصحيح مسار الملف لأية إشكالية أو مخالفة قد تحصل، إلا أن تقييم أحد الخبراء المحليين لعدم تنفيذ مقترحات الأجهزة الرقابية قد يكون مبرراً لبعض الوقت لما تحمله هذه التقارير من تشابك في بعض المطارح، وعدم وضوح في بعض التفاصيل، الأمر الذي يستدعي من الجهة المعنية تقديم أدلة تؤكد أو تنفي ما ذكر في التقارير، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة التقييد بتلك القرارات الصادرة عن الأجهزة الرقابية.
تحديد الأضرار
وتبقى الأمثلة حاضرة فيما طرحناه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الآلية التي تتعامل بها المديرية العامة للموانئ مع تقرير تفتيشي صدر مؤخراً بحقها من قبل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش -حصلت “البعث” على نسخة منه- والمتضمن نتائج تحقيق المخالفات المثارة بشأن مشروع إنشاء ميناء البسيط السياحي، والذي خلص إلى عدة مقترحات من ضمنها تشكيل لجنة خبرة متخصصة لتحديد كافة الأضرار المادية الناجمة عن التأخير في إنجاز مشروع ميناء البسيط السياحي ولاسيما موضوع العقد رقم 3 لعام 2006، مع تحديد قيمة تلك الأضرار، إضافة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق عدد من العاملين، وحجب الترفيعة، ونقلهم إلى خارج أماكن عملهم، كما تضمنت نتائج التقرير طلب إيقاع الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لحين التحصيل من المدير العام الأسبق، وبعض المتورطين ولاسيما أن القيمة الفعلية للمشروع تصل إلى قرابة نصف مليار ليرة سورية، كما أثار التقرير موضوع عدم البت بالتأخير الحاصل في تسليم موقع العمل في المشروع المذكور، ولكن مع مرور أكثر من عام على صدور التقرير لم يتم محاسبة المتورطين إلى اليوم، مع الإشارة إلى أن الأسماء التي تم استبعادها من أماكن عملها جاءت نتيجة تغييرات قامت بها الإدارة الحالية وليس نتيجة التقرير.
حبيس أدرج
وبحسب مصدر مطلع في وزارة النقل فإن المديرية العامة للموانئ ردت على التقرير بتشكيل لجنة لدراسة الأضرار وتحديد المسؤوليات وأرسلته إلى الهيئة، إلا أن الهيئة لم تقتنع بما أوردته اللجنة من معلومات فأعادته من جديد إلى وزارة النقل منذ أشهر، وهو لا يزال حبيس أدرج مدير الرقابة الداخلية في الوزارة، علماً أن تقرير اللجنة بين أن التأخير في إنجاز المشروع حصل قبل صدور قرار لجنة التبرير الأولى، مع الإشارة إلى أن اللجان المشكلة للتبرير قد بررت كامل مدة التأخير والبالغة 719 يوماً، موضحاً أنه تم صرف العديد من الكشوف المالية للمتعهد خلال الفترة التي اعتبرها تقرير الهيئة المركزية فترة تأخير في تسليم موقع العمل، كما أن تقرير اللجنة أشار إلى أن اللجنة الإدارية المعنية بالموضوع لم تتحامل على المتعهد، بل حفظت أموال الدولة ولم تقبل بتبديد مبلغ مئة مليون ليرة سورية غرامة التأخير، وإعطائها لصالح المتعهد، وأوضحت اللجنة في تقريرها أن هناك الكثير من الخلاف والتناقض في مضمون الكتب المقدمة من المتعهد ومن قبل دائرة المساحة البحرية بخصوص التاريخ المعتمد لتسليم موقع العمل، وعليه اقترحت اللجنة إحالة الموضوع الخاص بالتأخير المتعلق بتسليم موقع العمل إلى مجلس الدولة، وهو ما حصل، ولكن مجلس الدولة لم يبت في هذا الموضوع.
سوء تنفيذ
ولفت تقرير اللجنة صراحة إلى سوء التنفيذ الذي أكده الفنيون الذين اطلعوا على المشروع، وذلك بمحاضر موجودة لدى المديرية، واطلعت “البعث” على تفاصيل العقد الموقع بين الطرفين والذي يشير صراحة إلى أنه يتم اللجوء إلى التحكيم لحل الخلاف مع المتعهد وبناء على طلب المتعهد رغم مخالفته للعقد المبرم معه، مع البيان بأن العقد المبرم مع المتعهد نص صراحة على حل الخلافات مع المتعهد عن طريق القضاء الإداري.
وأشار تقرير المديرية إلى أن العقوبات المفروضة لم تشمل كامل أعضاء اللجنة الإدارية للمشروع، حيث اكتفت العقوبات على أشخاص دون آخرين. وأمام الوضع المتردي للمشروع قامت المديرية العامة للموانئ بمخاطبة إدارة قضايا الدولة بدمشق لأخذ رأي المحكمة الإدارية العليا المنظور أمامها الملف التحكيمي بعد أن تم الطعن به من قلبها بإمكانية تنفيذ المشروع على حساب المتعهد، ولكنها لم تتوصل إلى جواب، مع الإشارة إلى أن المديرية قد قامت برفع دعوى أمام القضاء الإداري بطرطوس على متعهد المشروع لسوء تنفيذ العقد.

نفي
ولدى تواصل “البعث” مع مدير الرقابة الداخلية بوزارة النقل عيسى حنا أكد عدم اطلاعه بتفاصيل التقرير، نافياً تدخل المديرية بإخفاء التقرير، وأن المديرية غير معنية بمتابعة ما يصدر عن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية من تقارير، موضحاً أن مسؤولية متابعة تنفيذ التقرير هي من مسؤولية المفتش أو رئيس المجموعة أو فروع الهيئة أو الجهاز مع الجهات المعنية، معتذراً عن الإجابة في تفاصيل أخرى تخص التقرير.
فيما أشار مدير عام المديرية العامة للموانئ العميد أكرم محمد فياض إلى أن الإدارة الجديدة للمديرية عملت على متابعة الملف وملاحقة المتعهد عبر القضاء؛ وذلك ضماناً لحقوق المديرية، كاشفاً عن انتهاء العمل في المينا المذكور بعد أن أوكلت الإدارة الجديدة مهام التنفيذ من جديد لشركة حكومية استطاعت تنفيذه خلال الفترة الماضية.

MOHAMDZKREA11@YAHOO.COM

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى