البكاء ليس وقوداً!؟

 

 

د. نهلة عيسى

يتهمني بعض الاًصدقاء, أولاً: بأنني أحابي الحكومة بالصمت على أزمة البنزين والغاز, وأعلنت عن عدم قدرتها على حلها لأسباب موضوعية, أهمها الحرب وتداعيات الحرب, بغض النظر عن تقييمات الآخرين لها بالأهلية لذلك من عدمها, بالاستناد إلى أدائها وكيفية إدارتها للأزمة, وهي تهمة لا أنفيها, لأنها واقع, ولأنها إلى حد كبير تعكس قناعاتي بأن الحصار يفوق القدرة, وبأن تحميل المسؤولية للحكومة لن يفتح قناة السويس أمام نواقل النفط, ولن يجعل الحال غير الحال, فالطريق شبه مسدود, ونقنا ونقيقنا يتسع إلى شيء من الإضمار الشبحي أو الطيفي غير المرئي, حيث الكل يتهم الكل, بجمالهم وعوارهم, وبالتالي من نلومهم, هم نحن بكل ما نحن عليه, والمشكلة بأننا عندما شاهدنا أنفسنا بمرآة البعد عن الذات, أي بمرايا الآخرين, لم يعجبنا مانحن عليه, فجننا, وتمترسنا خلف ما هو متوقع ومعتاد منا, بالصراخ: إن الوزراء هم الجحيم, والحقيقة أنه لو كان هؤلاء هم فقط الجحيم, لكانت بلادنا جنة, ولو كان هؤلاء فقط هم المسؤولين عما نحن فيه, لغرق الوطن بالروائع!؟.
واتهموني ثانياً: بأنني لم أشارك في مزاد تبيان دوافع ومسببات ما يحدث, وهي أيضاً تهمة لا أنفيها, لأنه حقيقة يضحكني أننا لا نعرف, والحرب ما تزال مشرعة الأبواب وخلف كل باب ألف باب, ولذلك ليس هناك مسؤول واحد بل مليون مسؤول ومسؤول, وليس مهماً أيضاً الأسماء, بل ما يجري وما يقع, خاصة وأن المسؤولين الحقيقيين لديهم مئات الظهور تحميهم, وآلاف الألسنة تدافع عنهم, ظالمين أو مظلومين, أي أن “ملائكتهم حاضرة” كما يقال بالعامية, وهم ملائكة نافذون, وأصحاب قرار, وحصريون في من يحبون ويرغبون, ولذلك فالبحث عنهم ضرب في مندل الملائكة, وأنا بشر, وبالتالي لا أجيد!؟. بل أنا أبسط البشر, لدي رغبات الآخرين نفسها, واحتياجاتهم, وربما أسلوب حياتهم, ولدي همومي, ولكنني مختلفة, لست أفضل ولا أسوأ, فقط مختلفة (مثلا لكثيرين) بأنني لست فرداً في القطيع, ولا أدعي أنني شارد واع شجاع عن القطيع, فأنا فقط إنسانة عادية, تحب وتكره, تمرض, تخاف, تجزع, تبالي أو لا تبالي, يقلقني الراتب العجوز المتهالك في مواجهة غيلان السوق, حيث تتحدد مكانة الواحد منا وفقاً لأسعار هذا السوق, أنا مثل وطني, كل ما في داخلي وحولي, مساحات شاسعة من حزن وقح, يصرخ في وجهي كل صباح, والظهر بالجدار ملتصقاً: ماذا تنتظرين ابحثي عن ملاك؟ فأرد: لا أريد, وسوق الملائكة جبر!!.
يتهمني أصدقائي باللامبالاة في من رحل وفي من حضر, فأجيب: يا أصدقاء جعل الله جل همومنا الجري خلف من ذهب, ولماذا ذهب؟ فأنا منذ سنوات, وكما ترفع القلاع العتيقة جسورها لتقطع صلتها بالداخلين إليها, لتعيد تحديد موقعها من نفسها ومن العالم, كبست الجرح ملحاً, وصممت الأذن عن عابري جرحنا, وبعض الأصوات المنكرة, وبعض مرتزقي القلم, ومعتادي نهش فخذ الوطن, والذين يجدون تفسيراً “جمالياً” للوجع الذي نقاسي منه, ويمارسون حياة المتقاعد في مقاهي دمائنا, يلعبون الورق, ويشربون القرفة واليانسون, ويحللون لنا, نحن الراقدون في القبور, كيف يجب أن نعيش, وكيف يجب أن نموت!!.
صممت الأذن عنهم, وجعلت الجبهات قبلتي, لأنني أشعر كلما ذهبت إلى جنودنا في مرابضهم أنني أولد من جديد, أو كأني أدخل الحرب, لأستريح من الحرب, وأغادر خوفي من الموت, عبر مقاسمتي إياه فراشه, وطعامه, وشرابه, وساحاته, كأننا في اجتماع شمل, أو كأنني اليمامة بنت كليب تنادي الأم والخال: “أنا لا أصالح حتى يقوم والدي, ونراه راكبا يريد لقاكم”, وأردد خلف اليمامة: “لن أصالح حتى ينهض جسد الوطن المتمزق, مكتمل الظل, حتى يعود إلينا, متحداً في بهاه”, ثم أوافق كليب على السؤال: “لم يكن في يد الوطن حربة, أو سلاح, فلماذا حملتم عليه السلاح”؟ وسأظل أطرح هذا السؤال لأنه الأصل, وكل ما عداه مجرد تداعيات, وبكائيات لن تملأ خزانات البنزين في بلادنا حتى لو شاءت الحكومة!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *