مكابرة على “مزاج الحرب “

 

لعلّنا استعجلنا مؤشّرات الانفراج قليلاً، بل صنّعناها واستحضرناها عنوة، رغم أنها لم تجهز بعد، لا سيما أمام شرط الزمن الذي لا يُسامح عادةً بكفايته التامّة من المساحة مهما طالت. فالمفاجئ أكثر من الأزمات والاختناقات المباغتة التي “تصفعنا” بقسوتها، هو المفاجأة ذاتها التي نبديها بوقوع المتوقّع، وما يليه من ندب وردح ورشق للتهم في كل الاتجاهات.

وليست أزمة البنزين المثال الوحيد، لكنه الرّاهن الذي يستحق التأمّل، سواء كان ناتجاً عن فساد أو خلل في إدارة المادة، أو الحصار والحرب كعنوان عريض يفرض نفسه أمراً واقعاً مع كل الاحتمالات الأخرى، لكنه بات دائم السقوط سهواً من الحسابات والمداولات، بل وموضع تنازع مواقف بين الخانتين الرسمية والشعبية..؟!!

أزمة البنزين ليست مادة طرحنا هذا، ولا أزمة الغاز أو حليب الأطفال، أو الأدوية المفقودة، بل هناك ما هو أكثر تعقيداً إلى حد ما، تشي به مثل هذه الأزمات، ويتصل بطريقة تعاطينا جميعاً مع الوقائع والظرف وحتى المستقبل.

بالفعل ثمة ما يثير القلق، لأن بعضنا قرّر القفز مباشرة فوق الواقع مسافة عشرة سنوات إلى الأمام، وآخرون “أنجزوا” استحقاق الإعمار وباتوا على برّ الرفاه في طروحاتهم ونصائحهم، حتى بعض الرسميين وقعوا  في غواية التحليق نحو فضاء ما بعد بعد الحرب، وباتت رؤاهم نسج خيالات غير معافاة، طووا  حقائب الإسعاف وخلعوا سترات الطوارئ، فكان خطابهم أداة تغرير لا تقرير..!!

هي تهمة غليظة وأزمة حقيقيّة ألّا نعترف بأننا “مأزومون” إلّا منذ بضعة أشهر قليلة، دون أن نسأل أنفسنا عمّن أخبرنا بغير ذلك؟؟ هل هي سلع الرفاهية التي أغرقت أسواقنا منذ بداية الحرب.. أم مظاهر الإنفاق الترفي في المقاهي والمطاعم والمولات،  التي كانت تعاند مشاهد الفقر والتشرد والدمار، أم هو جنوحنا نحو المكابرة للهروب من الواقع، وهو الاحتمال الأرجح رغم أنه بغيض وبغيض؟؟ والتهمة الأكبر أننا مازلنا نكابر في التوجه نحو المستقبل، بعضهم يتحدّث عن ناطحات الغيوم وآخرون يدورون في فلك البحث عن خيارات إسكان الفقراء. وفيما يقلّب بعضهم صفحات الانترنيت لاختيار أحدث تقنيات تدوير الأنقاض لشرائها وتوطينها، يحصر آخرون تعويلهم على المعاول وزنود أبناء البلد، وربما تقتضي الواقعيّة هذا الخيار رغم تواضعه.

الفجوة كبيرة جداً في التقاط إشارات الأزمة منذ بداية الحرب، وهي أكبر في واقع الاستجابة للمواجهة، وأكبر وأكبر في قوام الرؤية المفترضة التي لم تتبلور بعد بشأن الأفق والمستقبل القريب حتى وليس البعيد، هنا هي أزمتنا ومنبع الهواجس الكبرى. إذ لا يختلف وهم الضعف عن توهّم القوّة، ففي كليهما حالة انحراف ذهني وجنوح لا تُحمد عقباه، بما أن الأول انكفاء وسلبيّة، والثاني اندفاع غير محسوب يصل حدّ المغامرة.

بين هذين الحدّين تتأرجح مقومات التوازن والاتزان، الذي يبدو مطلوب بإلحاح اليوم بالنسبة لنا جميعاً – دولة بكل مكوناتها الممأسسة وأفراد أيضاً – في زمن الانشغال بورشة كبرى عنوانها ” إعادة الترتيب” من ترتيب المفاهيم التي طالها لفح الحرب كما سواها، إلى ترتيب الأولويات التي تتزاحم في مخيّلة كل من يخطط أو يحاول تخطيطاً لمستقبله الشخصي، فكيف إن كان التحدي هو التخطيط لمستقبل بلد، ينفض عن نفسه غبار الحرب؟؟

باختصار، من الحكمة والواقعيّة أن نبدأ الإعمار بأيدينا المجرّدة ريثما تأتينا المعدات العملاقة، ولنتوقع المزيد والمزيد من أزمات الغاز والبنزين والمازوت ريثما تنجلي غيوم الحصار، ولنبادر نحو  “الخلاص الفردي” الذي لا يبدو مشروعاً في الاعتبار الأخلاقي ولا الوطني إلّا في حالات قليلة، ومنها أو في مقدمتها الحالة التنموية، فالحرب ما زالت سجالاً وقد تطول. ففي أعراف الدول هناك ما يسمى ” اقتصاد الحرب” الذي يملي تعبئة الموارد وتعزيز الإنتاج، وهو ما جرى الاشتغال عليه فعلاً في سورية، لكن بقي ما ينقصنا هو ” مزاج الحرب ” فهذا المزاج هو الذي يولّد أولاً الغيرة على السيادة والإحساس بالانتماء، ثم إرادة المقاومة والمواجهة الحقيقية، والإصرار على إنعاش مطارح الإنتاج، والأهم خلق سلوك تقشّفي ذاتي طوعي، واستعداد لمواجهة أسوأ الاحتمالات، فهل فشلنا في إرساء “مزاج الحرب” بيننا، وإن كنّا لم نحاول.. فلماذا نصدّ إيحاءات الأزمات ونكابر؟؟

هامش: يُحكى أن رجلاً يشكو اصفرار أسنانه، راجع حكيماً للعلاج، وكانت الوصفة أن يرتدي ربطة عنق بنيّة اللون للتماهي مع المشكلة ريثما ينضج العلاج.

ناظم عيد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *