اقتصادصحيفة البعث

أليس الزيتون محصولاً استراتيجياً؟

 

من حق سورية -شعباً وحكومة- أن تفخر بتبوئها مرتبة متقدّمة جداً في إنتاج الزيتون عالمياً، وسبق أن شكا منتجوه من انخفاض سعره محلياً، وصعوبة تصدير الفائض للخارج، إلا أنهم تنفسوا الصعداء خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت أسعاره بشكل ملحوظ قياساً بأسعاره السابقة، وتمّ التمكن من تصدير قسم منه إلى العديد من الدول، وقد حظي برضا عالٍ من مستهلكيه. وجميعنا نتذكر عندما رفع الرئيس الفنزويلي تشافيز زجاجة زيت الزيتون السوري في يده، مبيناً أهميته الغذائية وجودته وحاجة بلاده له.
لقد شهدت العقود الأخيرة اندفاع نسبة كبيرة من السكان لزراعة هذه الشجرة، حتى أصبح إنتاجها حاضراً في جميع المحافظات السورية، ولكن هذا التقدم في بعض المحافظات يكاد يقابله شبه تراجع مخيف في الساحل منطقة نشوئه الأولى، هذا التراجع الذي تمثّل بظاهرة المعاومة القائمة منذ عشرات السنين، والتي تتزايد نسبتها عاماً بعد عام، وأخيراً ظهر المرض المعروف بعين الطاووس الذي كاد أن يقضي على مواسم زيتون الأودية، والتي تشكّل نسبة عالية من أشجار زيتون المنطقة الساحلية المترافق بذبابة حبة الزيتون التي تغزو نسبة من الثمار عقب تشكلها بأسابيع، والطامة الكبرى حلّت في موسم العام الماضي عندما تمكنت هذه الذبابة من غزو كامل موسم الساحل سهولاً وأودية وجبالاً، وسقط الحب على الأرض قبل اكتمال نموه، ما جعل كمية زيته ضعيفة إلى النصف المعتاد أو أقل، مع انخفاض نوعية الزيت، لدرجة عدم صلاحية معظمه للاستهلاك البشري، حتى أن سكان الساحل لم يستطيعوا تخزين المخلل الأخضر من حب الزيتون، المعتاد أن يكون على وجبة فطورهم اليومي، والظاهرة الجديدة تمثلت بقدوم حب الزيتون الأخضر من المناطق الداخلية إلى أسواق الساحل السوري لتأمين حاجة المستهلكين من هذه المادة، وبدء شرائهم زيت الداخل لمتطلبات استهلاك العام، عدا من كان لديه مخزون من السنوات الماضية، ومن نعم الله أن التكامل القطري لهذه المادة قد حدث جزئياً، ولسنا بحاجة لاستيراد زيت الزيتون، مع أن المستوردين يغزون أسواقنا بزيوت من أنواع أخرى!.
وتراجع إنتاج شجرة الزيتون الساحلية، يعود لعدة أسباب، أخطرها ما نجم عن تغيرات المناخ التي شهدها الساحل خلال العقود الماضية، هذه التغيرات التي تمثّلت بنقصان ساعات البرودة التي تحتاجها الشجرة خلال موسم الشتاء وارتفاع درجات الرطوبة التي تضرّ بالشجرة خلال الصيف، والوقائع المناخية خلال هذا العام، توحي بالتخوف من عواقب ذلك في الموسم القادم، ما يوجب أن يكون قد تمّ التحضير لاتخاذ المزيد من الإجراءات الوقائية أمس واليوم، والتحضير للمزيد من الإجراءات العلاجية غداً وبعد غد، إلا أن واقع الحال يوحي بضعف التحضيرات الحالية والمستقبلية القائمة بهذا الشأن!. فوزارة الزراعة منشغلة مكتبياً وغافلة ميدانياً، ولديها الكثير من التنظير الذي يرضي سامعيه، ولكنها تفتقد الكثير من التدبير الذي يرضي ناظريه، فقد أعلنت مديرية زراعة طرطوس عن أنها خصّصت جراراً زراعياً أو اثنين لكل منطقة مع السائق، وتتحمّل كامل الوقود وعلى المزارع طلب الجرار شريطة تأمين المواد والقيام بالرش، وغاب عن بال وزارة الزراعة أن فاعلية الرش محدودة بأيام معدودة، حال كان الطقس ملائماً، وبالتالي هل يستطيع جرار أو اثنان تغطية طلبات /100/ قرية على الأقل ضمن قطاعه وفي منطقته؟، وفيما إذا كان بمقدور الجرار خدمة كامل حقول كل قرية في يوم واحد؟!، وهذا أمر مستبعد، فهذا يعني أن عملية الرش لكافة الحقول ستستغرق /100/ يوم، أي بعد فوات التوقيت المناسب، هذا في حال التزم كامل المزارعين ونظموا أنفسهم لذلك، وكان الجرار جاهزاً ميكانيكياً وسائقه جاهزاً نفسياً.
أما في حال كان التزام المزارعين جزئياً فسيكون الرش مقتصراً على بعض المزارعين، وهذا يعني أنه سيكون بمقدور سائق الجرار تلبية طلب عشرة حائزين على الأكثر يومياً، مع الأخذ بعين الاعتبار انتشار حيازاتهم في عدة أمكنة، مع العلم أنه من المجمع عليه علمياً أن الرش الجزئي غير مفيد، والرش الذاتي غير مكمن نظراً لقلة مساحة الحيازات ولتعدّد حقولها، ونتيجة لسكن قسم من الحائزين في مناطق أخرى بعيداً عن حيازاتهم، ما يوجب أن تكون وزارة الزراعة معنية حكماً بالعلاج وفق صيغ أخرى، كأن تتولى عملية الرش الجماعي لجميع الحقول خلال أيام قصيرة –كأيام عمل وطني- بالاعتماد على جراراتها، وعلى جرارات المزارعين في كل قرية وأن تستوفي تكلفة ذلك، من إنتاج المزارعين عبر المعصرة، وعلى اتحاد الفلاحين أن يتحمّل المسؤولية الكبرى في ذلك، إعداداً وتنفيذاً، لا أن يلقي اللائمة على وزارة الزراعة، ويغفل عما يستحقه من لوم وعتب!.
شجرة الزيتون ملك الوطن كما هي ملك المواطن، وتخلي المواطن مالكها عنها –أياً كانت الأسباب- يجب ألا يترافق مع تخلي وزارة الزراعة واتحاد الفلاحين وغرفة الزراعة وأياً كانت الحجج، وكما يقولون الماعون الكبير يتسع للماعون الصغير. وحبذا لو تعمل رئاسة مجلس الوزراء بالتعاون مع وزارة الزراعة على تصنيف محصول الزيتون -الذي تعيش منه ملايين الأسر ويعمل به الملايين، زراعة وتجارة وصناعة- ضمن المحاصيل الإستراتيجية، وليس موسم التبغ، وبقية المحاصيل –التي تحمل هذا التصنيف– أكثر أهمية وضرورة منه.

عبد اللطيف عباس شعبان
عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية