حيْرة العارف

 

عبد الكريم النّاعم

لا يذهبنّ بكم العنوان بعيداً عن السّمت المقصود، فلست أعني حيرة العارفين بالله، فذلك له ميدان آخر، وإنْ كان يُلامس، بطريقة ما شيئاً مما نحن فيه، إذ يرى البعض أنّ حركة التصوّف نشطت، وتنشط في الأزمنة التي تلتهب فيها الصراعات المصيريّة، ويكثر فيها الفقر، وينتشر الفساد، والرشوة، حتى ليبدو الأفق وكأنه قطعة من رصاص صلب لا منفذ فيه، وقولي هذا لا يُلغي أنّ ثمّة عارفين أجلاّء اختاروا تلك الحيرة عن وعي فكريّ، ورؤية إنسانيّة شموليّة.

أعتقد أنّ ما ينتابني الآن ليس خاصاً بي، بل هو يشمل كلّ الذين أدركتْهم، أو أدركوا حرفة الأدب، بل وغيرهم، فأنت تجد نفسك لا تعرف من أين تبدأ، وليس على طريقة الذي احتار في الاختيار حين كثُر عليه العرض المفروش بين يديه، بل على طريقة الذي لا يعرف من أين يبدأ في مواجهة كلّ هذا الخراب في بلد تكالب عليه أعداؤه من الخارج بقدر ما يصرّ على استنزافه مستغلّوه من الداخل، دون أيّة يقظة في الضمير من أبنائه المولودين فيه!.

أنا أعلم أنّ النّاس في مواجهة الهجمة الاقتصاديّة الحاقدة منصرفون بدرجة مُخيفة عن الشأن السياسي، أو هكذا يظنّون، بيد أنّ المبادئ الأوليّة في العلاقة بين السياسة والاقتصاد هي من البدهيات في ميدان هذا العلم، ولذا فحين نقول “سياسة” فنحن نعني “اقتصاد”، كما أنّنا حين نقول “اقتصاد” فنحن نعني “سياسة”، بوعي أو بغير وعي.

سأبدأ من حدث مرّ عابراً، إلاّ من شتيمة هنا، وألم هناك، هذا الحدث هو ما تفوّه به وزير خارجيّة عُمان، على هامش مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت في شهر نيسان 2019، فقد أفصح دون تردّد، معلناً ما تفوّه به، ويريدنا أن نثق نحن أيضاً!!، قال السيد الوزير، مُبيّناً حكمة توجهه العميقة أنّه لابدّ من “تبديد مخاوف تل أبيب الأمنيّة في المنطقة، لضمان مستقبلها”!!.

إذن ضمان مستقبل المنطقة كلّها منوط بتبديد مخاوف تل أبيب!! وهذا يعني أن لاضمان لهذا المستقبل إلاّ بذلك الضمان، وهو يسوّغ لدعاة الحلف الصهيوني العربي كلّ ما تحرّكوا به من قبل، كما يبرّر ما سوف يقومون به في قادم الأيام.

أليس كلاماً يشقّ المرارة غيظاً؟!!

لا ينصرفنّ الذين يشكون من الضغط الاقتصادي اليومي، والذي بلغ ذروة غير مسبوقة، فنحن مازلنا في السّياق ذاته، فتبديد مخاوف تل أبيب يكون بالانفتاح عليها، وإقامة علاقات اقتصاديّة وسياسيّة، وأن تُصبح المنطقة مرتعاً وسوقاً للصادرات الإسرائيلية، مع الانتباه إلى أنّ هذا كلّه يجري دون أيّ ذكر للحقوق الفلسطينيّة، بمعنى شطب قضيّة فلسطين كمدخل لتحقيق ذلك الأمن الذي تريده تل أبيب!!.

لقد فعل السادات شيئاً من هذا حين زار الكيان الصهيوني، وزعم أنّه يكسر الحاجز النفسي، وقدّم ما قدّم فما الذي حصل عليه؟!!.

إنّ تل أبيب لا تعرف إلاّ لغة الأخذ، ولن تعطي شيئاً لأحد، وهنا أستغرب ماذا ينتظر الفلسطينيّون المحسوبون على أوسلو بعد كلّ هذه الخيبات؟!!.

مازلنا في السياق ذاته، حين تمكّن حلف المقاومة في سوريّة من كسر تلك الهجمة البربريّة الداعشيّة المتأخوِنة، وما كانوا يظنون أنّ ذلك قد يحدث، حينها بدأت المعركة الاقتصاديّة للوصول إلى نتائج سياسيّة غير مجهولة، فإن نجحوا في ذلك يكون الاقتصاد قد أوصلنا إلى عاصمة السياسة، وعاصمة السياسة ستفتتح كلّ ميادين الاقتصاد للسيطرة على المنطقة، ومصادرة مستقبلها، وجعلها تابعة تأتمر بأوامر موظفي البنتاغون في السفارات الأمريكيّة.

المعركة أشرس ممّا نعرف، وهذا يوجب ابتكار أساليب وحلول تضع في أوّل أولوياتها أنْ لا استسلام لإرادة العدوّ، كما أنّه لا تفريط بحقّ المواطن في العيش الكريم، ولا مناص من إيجاد المخارج التي ترفع بعض ما تعانيه شرائح شعبنا الصابر وهو يعضّ على الجرح..

Aaalnaem@gmail.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *