السودان وحتمية تحقيق الاستحقاق الديمقراطي

 

عبد الرحمن غنيم- كاتب وباحث من فلسطين
ما الذي يحدث في السودان؟ وإلى أين يتجه هذا القطر العربي الآن؟. سؤالان ربما كانت الإجابة – ولو الجزئية – عليهما تتوارد في نشرات الأخبار حيث ينتقل السودان عملياً ورغم كل محاولات إعاقته من حال إلى حال. ولكن دعونا نسلم بالحقيقة القائلة إن فهمنا للتطورات الحاصلة الآن مرتبط بصورة الوضع العربي العام، وطبيعة الهجمة الامبريالية – الصهيونية التي تستهدف الأمة العربية. والسودان بطبيعة الحال جزءٌ من هذه الأمة، وجزءٌ من هذا الاستهداف.
لعلّ العقدة الأساسية التي عانى منها القطر السوداني الشقيق، ومنذ سبعينيات القرن الماضي على الأقل هي عقدة الأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على السلطة منذ زمن جعفر النميري بشكل خاص. لكن هذه العقدة أخذت شكل التسلط المقترن باعتماد السلطة على اتجاه سياسي معيّن منذ أن أمسك البشير بالسلطة. وهذا الاتجاه السياسي المعين والمرتبط بفكر وجماعة “الإخوان المسلمين” أسهم للأسف في تنفيذ المؤامرة التي استهدفـت وحدة السودان، وقادت إلى تقسيمه بين شمال وجنوب، وتسببت في ظهور الاتجاهات الانفصالية حتى ضمن دولة الشمال؛ مما أوجد بيئة عجيبة غريبة محورها السعي إلى تفتيت السودان إلى دويلات. والغريب في هذا التطور السلبي أن تظهر الميول الانفصالية وتتفاقم في ظل نظام سياسي يرتكز – حسب زعمه – على الفكر الإسلامي الذي يفترض أنه فكر قائم على توحيد المجتمعات الإسلامية ككل، فإذا به يعجز عن صيانة وحدة قطر واحد موحّد من الأقطار الإسلامية. وهكذا فإن نظام البشير لم يبدُ فقط بعيداً عن فكرة الوحدة العربية القومية بذريعة الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، ولكنه ساير الاتجاهات الانفصالية داخل القطر السوداني فيما يتصل بالعلاقة بين الجنوب والشمال على الأقل. ثم إن هذا النظام تورّط في أحداث ما أسمي بـ”الربيع العربي”، وفي المخطط الأميركي الرامي ظاهرياً إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط تحت مسمّى “الشرق الأوسط الجديد”، وعملياً إلى تمكين “إسرائيل” من التوسع بين الفرات والنيل.
ولقد جاء الإسهام السوداني في الحرب العدوانية الظالمة على اليمن ليكشف عن مدى تورط النظام الحاكم في السودان، حتى إنه أثار التساؤل عن حقيقة المحور الذي يقف فيه هذا النظام: أهو المحور الذي يتبنى جماعة “الإخوان المسلمين” وتديره تركيا وقطر أم المحور المضاد الذي تقوده السعودية والإمارات، وإن كان الموقف الغريب والمتذبذب لحزب الإصلاح الإخواني في اليمن يسهم بدوره في تفسير الموقف الغريب لنظام البشير، إذ يبدو أن الإرادة الأمريكية في تسخير اللاعبين تظل هي الأقوى. وهذه الإرادة الأمريكية كما يعرف الجميع تلعب على الحبلين أو على المحورين.
إن فهم ما كان عليه الوضع في السودان وما أخذ يؤول إليه أو ما يسعى المناضلون في السودان لجعله يؤول إليه يتمثل في الحقيقة القائلة إن غاية القوى المناضلة التي مارست دور المعارضة خلال الفترة الماضية إنما يتركز بشكل أساسي على إقامة نظام ديمقراطي شعبي. ولكي نستوعب أبعاد المسألة نعود بالذاكرة بعيداً إلى الوراء إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي.
في ذلك الحين، وفي ظل أسوأ ظروف التسلط الدكتاتوري في القطر السوداني وضعت منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي في السودان خطة عمل نضالي طويلة المدى يمكن القول إنها كانت تقوم على الأسس والمبادئ التالية: أولاً تفرغ عدد من الرفاق البعثيين القياديين للعمل التنظيمي الحزبي بغية تطوير منظمة الحزب لتكون فاعلة ومؤثرة ومنتشرة في مختلف أنحاء السودان. ثانياً وضع خطة لنشر الفكر القومي في السودان من خلال إيصال هذا الفكر إلى المواطن العربي في السودان، أو بتعبير آخر العمل على استمرار حضور الفكر القومي في الساحة السودانية. ثالثاً مساهمة الرفاق السودانيين في دراسة أوضاع السودان من وجهة نظر الحزب، وفي إغناء الفكر القومي بدراسات تتناول الوضع في السودان. رابعاً تركيز النضال حول هدف التحول الديموقراطي السلمي في الساحة السودانية، والتعاون مع جميع القوى الأخرى الوطنية والتقدمية من أجل تحقيق هذا الهدف. خامساً المساهمة في إعداد كوادر علمية سودانية في مختلف الاختصاصات تجمع بين الخبرة التي تسهم في تطوير المجتمع السوداني وبين الوعي القومي.
وقد تابعت منظمة الحزب في السودان تنفيذ هذه الخطة وسط كل الظروف المتقلبة التي بلغت في بعض الحالات أقصى درجات التسلط. وضمن تلك الظروف احتلت منظمة الحزب في السودان موقعها في تجمع للمعارضة السودانية ضم قوى وطنية وقومية وتقدمية، جعلت هدفها الأساسي النضال من أجل إيجاد حالة ديمقراطية، وقد استمر هذا التحالف قائماً ومتماسكاً على مدى عشرات السنين، ولا زال قائماً ومتماسكاً حتى الآن. وهو الذي قاد الحراك الشعبي الجماهيري الذي أدى في نهاية المطاف إلى سقوط نظام البشير. وهذا التحالف هو الذي يواصل النضال الآن من أجل قيام حالة ديمقراطية حقيقية في القطر السوداني.
ثمة ملاحظة تستحق الإشارة إليها في هذا السياق، وهي أن المسعى الأميركي للقضاء على حزب البعث العربي الاشتراكي أو إضعافه، والذي وجد لنفسه فرصة سانحة باستهداف البعث في العراق أولاً بعد توريط نظام صدام حسين باحتلال الكويت بعد أن كان قد جرى توريطه في الحرب مع إيران، ثم اتخاذ هذه الواقعة التي كان الأمريكي هو المحرض عليها، ذريعة لضرب ومحاصرة العراق من جهة، وللوجود العسكري الدائم في منطقة الخليج من جهة ثانية، وفي الإعداد لغزو العراق واحتلاله وتصفية صدام حسين واجتثاث البعث في العراق، وهو ما جرى تنفيذ مرحلته الأخيرة عام 2003 من جهة ثالثة، قد أدى في بعض الحالات إلى نتيجة عكسية بالنسبة لأهداف السياسة الأمريكية. ومن هذه النتائج العكسية لتلك السياسات كان القرار الذي اتخذه الرفاق في منظمة البعث في السودان والتي كانت تابعة للقيادة القومية في العراق بإنجاز الوحدة مع منظمة الحزب التابعة للقيادة القومية في دمشق، وكانت محصلة هذا التطور مضاعفة قوة الحزب في السودان. والحقيقة أن مثل هذا التطور حصل أيضاً في اليمن وأدى إلى ازدياد قوة الحزب في الساحة اليمنية، ثم جاءت ظروف العدوان الذي شنه التحالف السعودي على اليمن لتعزز من تحالف الحزب مع القوى الوطنية والتقدمية في اليمن ومن بينها أنصار الله. وحين نلاحظ انخراط نظام البشير إلى جانب التحالف السعودي في حربه على اليمن نستطيع قراءة المشهد من زاوية الرؤية القومية من البعدين اليمني والسوداني، وأن نفهم الحقيقة القائلة إن التطور الذي حصل في السودان يكتسب بشكل يقيني بعداً يمنياً، حيث إن القوى الوطنية والقومية والتقدمية المتحالفة في السودان لا تكتفي بإسقاط نظام البشير وإقامة نظام ديمقراطي في السودان، وإنما تهدف أيضاً إلى إنهاء الدور السوداني في القتال لصالح التحالف السعودي في اليمن، وربما ذهبت بعد ذلك إلى ما هو أبعد من ذلك وهو المساهمة في الدفاع عن اليمن إلى جانب القوى الوطنية والتقدمية اليمنية.
وحين ننظر إلى الأمور ونتائجها المتحققة أو المتوقع تحققها بهذا المقياس نكتشف الحقيقة القائلة إن الحرب الكونية التي شنها وأدارها الطاغوت الأميركي مستهدفاً سورية، وذلك لحساب الشيطان الصهيوني وخططه العدوانية التوسعية، كانت أحد الدوافع الأساسية وراء التحرك الشعبي العربي الواسع في اليمن والسودان، ووراء تعزيز اللحمة بين منظمتي الحزب في القطرين وبين القوى الوطنية والتقدمية الأخرى؛ مما أوجد مناخاً ثورياً جديداً يعبّر عن حالة التمرد العربي بمواجهة الاستهداف الامبريالي الصهيوني وأدواته الرجعية. ومن يدري لعل الساحة العربية تنطوي أيضاً على مفاجآت أخرى في مواجهة ما دبّر لهذه الأمة من كيد. لكن الدرس الذي علمته لنا التجربة بكل ما فيها من قسوة وتحدٍّ هو أن الوجود العملي لمنظمات البعث القومية وسط القوى الوطنية والتقدمية الأخرى هو الذي سمح للرؤية القومية الثورية أن تأخذ مداها. ومن الضروري أن نقف وقفة طويلة أمام هذا الدرس، وأن نعمل على تلافي القصور الذي حدث في بعض الأقطار.
إن ما يحدث في السودان الآن سيقود بشكل حتمي إلى قيام حكم مدني ديمقراطي، وهذا هو الهدف الذي ناضل رفاقنا في السودان لتحقيقه منذ عشرات السنين، أو لنقل منذ أكثر من نصف قرن. وهذا الحكم الديمقراطي المدني سيكون بالتأكيد ممثلاً بقوى المعارضة التي ناضلت معاً، وجنباً إلى جنب، ولعشرات السنين من أجل إنجاز هذا الهدف، ومنظمة حزب البعث هي واحدة من هذه القوى وليست كل هذه القوى. ولنلاحظ أن القوى المعادية أخذت تحاول دق الأسافين بين قوى المعارضة المتحدة. وهذه الأسافين تأتي بأشكال مختلفة، منها من يحاول استغلال ظروف السودان الاقتصادية الموروثة من نظام البشير المتهاوي لضمان استمرار التحكم الرجعي بالإرادة السياسية في السودان، ومنها من يذهب إلى الزعم بأن ما يسميهما بحزبي الميرغني والمهدي حزبان طائفيان لكونهما يمثلان الختمية والمهدية، ومن الواضح أن أصحاب هذه النغمة هم من يمثلون الاتجاه الوهابي، وبالتالي من يعبرون عن الحسابات السعودية التي تدير لعبة تسعى إلى مواصلة الإمساك بالسودان من تلابيبه من زاوية الاقتصاد. ولكن هذا كله لن يستطيع ضعضعة تحالف قوى المعارضة أو ثنيها عن هدفها الأساسي المتمثل بقيام حكومة مدنية ديمقراطية. كما أن إسهام تجمع المهنيين في إدارة الحراك الوطني الثوري يشكل دليلاً إضافياً على اتساع هذا الحراك ليمثل أوسع الجماهير الشعبية في السودان مثلما يمثل القوى الوطنية والقومية والتقدمية المؤتلفة.