“الفوج السوري الخالد”

 

ربما كان الميراث الأكبر، والأهم، الذي تناقله السوريون، أباً عن جد، طوال تاريخهم المعروف، هو الشهادة، وربما كانت هذه الشهادة هي الإرث الوحيد، المؤكّد، الذي سيتركه هذا الجيل لأجيال جديدة قادمة من أولاد وأحفاد لم يأتوا بعد.

فطوال تاريخهم لم يعرف السوريون التذرّع بـ “الحرّ والقرّ”، وحين تتزاحم الأنواء ويتكاثر الأعداء وتسوّد الآفاق وتتداعى الخطوب وتُشعل “أم قشعم” نيرانها، يشعلون، من “مؤونتهم”، قبساً من أنوار الشهداء الذين اكتنزوهم لـ”يوم كريهة” كي لا تأكل الحرّة بثدييها.

لذلك لم يكن شهداء ساحة المرجة سوى فصيل واحد من نهر طويل لشهداء عبروا، عبر الزمن، كل ساحات البلاد، ولم يكن جمال باشا السفاح – الذي نواجه حفيده اليوم – سوى قاتل واحد من سلسلة قتلة واجههم السوريون بصدور مكشوفة وبرجال أحبوا الحياة شريطة أن تكون “على سرج سابح”، لذلك لم ولن يسمحوا للغزاة “بدخول أرضنا بهذه الطريقة، ولابد من أن نواجه مهما بلغ الثمن”، على ما قال يوسف العظمة، وهو يتجه لخوض غمار معركة محسومة سلفاً من الناحية العسكرية لصالح الغازي، لكنها أيضاً محسومة سلفاً، أخلاقياً ووطنياً وتاريخياً، لصالح “العظمة” ورفاق دربه الأبطال.

ومنذ سنوات عدة، والمعجزة ذاتها تتكرّر كل يوم، فمع مطلع كل شمس تفتح مساجد الوطن وكنائسه ودور عبادته أبوابها لخروج ثلة جديدة من الشهداء، ترك كل منهم خلفه “ليلى”، أو أكثر، وصية عند زوجته أو أمه أو والده، مقدّماً روحه ثمناً “كي لا يمرّوا”، وكي تبقى مدارس الوطن ومعامله ومصانعه وجامعاته مفتوحة للنور والحياة، ليكون هذا الاشتباك الطردي بين الموت والحياة أحد أهم أسرار أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، حيث لا وقت للحداد، لا وقت للحزن، لا وقت لسماع ندب أي “خنساء” سورية لـ”صخرها” فـ”إياكم والحزن، لأنني أكره الحزن والحزانى، فإذا حزنتم أهرب من عندكم” – بحسب وصية “يوسف رزق سلوم” أحد شهداء أيار 1916 – بل إصرار يومي معجز للقول: إن الشهادة في هذا البلد ليست قدراً فقط، بل خيار واع حين تراوح الخيارات الأخرى بين الذل أو الذل، وحين يكون هدف الغزاة إسقاط الدولة، وإنهاء الدور، وتقويض المكانة، والأهم، وأد الروح السورية المقاومة.

السادس من أيار هو، إذاً، يوم “الفوج الخالد” بطبعته السورية، وربما لم تكن مجرد مصادفة أن يتزامن، ولو بفارق أيام معدودة، عيد شهداء هذا الفوج مع احتفالات “الفوج الخالد” لشهداء روسيا الذين ضحّوا بأرواحهم في الحرب العالمية الثانية، وربما لم تكن، أيضاً، مجرد مصادفة أن تتمّ إحياء هذه المناسبة في مدن سورية عدة ترفع صور شهداء البلدين في مسيرة واحدة، فاليوم تتمازج دماء هؤلاء الشهداء، وشهداء حلفاء آخرين، على امتداد ساحات الوطن في مواجهة مع نازية جديدة، لا تقلّ خطراً عن النازية القديمة، مردّدة خلف يوسف العظمة قوله الشهير: “إننا هنا، ولن يمرّوا..”.

أحمد حسن

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *