الفحولة الأدبيّة وتاء المؤنّث

يذكر “السيوطي” في كتابه “نزهة الجلساء في أشعار النّساء” أسماء شاعرات عربيّات من المشرق والأندلس دون المتقدّمات من الشاعرات العربيات الكثيرات، الذي اختير له عنوان آخر، حديث الإنشاء،ذكوريّ التّوجّه، هو “شواعر العرب وعظمة الشاعريّة”. وصدرَ كتيّباً مع مجلّة الموقف الأدبي الصّادرة عن اتحاد الكتّاب العرب. فلماذا أعيدتْ صياغة العنوان صياغة ذكوريّة واختفى كلّ ما يمتّ لجمع المؤنّث السالم بصلة؟!..لقد اختار السيوطي باقة من الأسماء الأنثويّة التي امتلكت كلّ الجرأة في التّعبير عن لواعجها وعشقها بلا خوف من المحرّمات والتّابوات الاجتماعيّة، باقة أزهرت أشعارها ضمن محيطٍ طاغٍ من الثقافة الذكوريّة. وقد ضاهتْ بجزالة أسلوبها وصدق أحاسيسها طريقة الشعراء الذّكور قوّة، وربّما تفوّقتْ عليها أحياناً، ولكنّ الذّاكرة الثّقافيّة العربيّة التّاريخيّة تكاد تكون فصاميّة بهذا الصّدد. فهي حين تتحدّث عن المقدّس الكلّي القدرة تقول “الذّات الإلهيّة، أو العلّة” وحين تريد أن تُعلِي من شأن  المذّكّر في مجالٍ ما، تصفه بالفحولة والعظمة والمقدرة، وأنّه “فهّامة أو علّامة”، أي تضيف إلى طبخة صفاته الذّكوريّة كلّ بهارات تاء المؤنّث. بل وتزيد في حالة الجمع قائلة “رجالات الفكر” بدل رجال وهو جمع مؤنّث أيضاً. وهي الثّقافة ذاتها التي تستبدل جمع المؤنّث “شاعرات” بجمع تكسير ذكوري هو “شواعر”. سنختار في هذه الوقفة العجلى بعضاً ممّن ذكرهنّ السيوطي لندلّل على جرأة بوح الصوت الأنثوي المغيّب في ثنايا التاريخ الفحولي الذكري:

عُليّة بنت الخليفة المهدي وأخت الخليفة “هارون الرشيد” الملقّبة بـ “العبّاسة” كانت شاعرة مغنّية جميلة، وقعتْ في غرام خادم لديها ينادونه باسم “طل” وهاهي تبثّه لواعجها منشدةً:

أيا سروة البستان طال تشوّقي         فهل لي إلى “طلٍّ” إليكِ سبيلُ

وهنا تورد الأخبار التاريخيّة حادثة طريفة، بأنّ أخاها الخليفة هارون الرشيد كان قد حلف عليها بألا تكلّمَ “طلّاً” ولا تذكر اسمه، لكنّه حين دخل عليها غفلة وهي تقرأ في المصحف من سورة البقرة “فإن لم يصبْها وابلٌ فطلٌّ” كاد يغضب حين سمع كلمة “طل” حتى تبيّن الأمر فضحك وأثنى عليها. أمّا الشّاعرة الملقّبة بـ “أم الكرام” فتتغنّى بجمال معشوقها المعروف بـ “السّمار” قائلةً:

يا معشر الناس ألا فا عجبوا           مما جنته لوعةُ الحبّ

لولاه لم يُنزَلْ ببدر الدُّجى            من أفقه العُلويّ للتًرْب

وهاهي  “بدر التمام بنت الحسين” تخاطب محبوبها بعتبٍ العشّاق المدنفين وخضوعهم، قائلة:

جمالُكَ بين الورى عاذري         وذكرُكَ في ليلتي سامري

أما لان قلبُكَ يا هاجري           ولا رقّ للمدنفِ السّاهرِ؟!

أمّا الشاعرة “ثواب بنت عبد الله الحنظليّة الهمدانيّة” فلم تخجل من هجاء رجلٍ تزوّجته لوسامته، ثمّ تبيّنتْ بأنّه غير قادر على إرضاء جموحها لعيبٍ في فحولته، بقول يحمل الكثير من التورية:

إنّي تزوّجتُ من أهل العراق فتى        مُرزّأ ما له عرقٌ ولا باه

ما غرّني منه إلّا حُسْنُ طرّتهِ            ومنطق لنساء الحيّ هيّاه

يقول لما خلا بي، أنت….            وذاك من خجلٍ منّي تغشّاه

فقلتُ لما أعاد القولَ ثانيةً           أنتَ الفداءُ لمن قد كان….الخ.

وهاهي “حفصة التركونيّة” تمتدح صفاتها الجماليّة المرغوبة، مؤكدة بأنّ صبرها يكاد ينفذ من تأنّي الحبيب وعدم مبادرته المأمولة تجاهها:

أزورُكَ أم تزورُ فإنّ قلبي      إلى ما شئتَه أبداً يميلُ

فثغري موردٌ عذبٌ زلالُ     وفرعُ ذؤابتي ظلٌّ ظليلُ

وقد أمّلتُ أن تظمَا وتَضْحى       إذا وافى إليكَ بي المقيلُ

فعجّل بالجواب فما جميلٌ           أناتُكَ عن بثينة يا جميلُ

وللشّاعرة “حفصة بنت حمدون” طريقتها في التعبير عن النديّة والتكافؤ بينها وبين المحبوب، تقول:

لي حبيبٌ لا ينثني لعتابٍ         وإذا ما تركته زاد تيها

قال لي:

هل رأيتِ لي من شبيهٍ؟!       قلتُ أيضاً: وهل ترى لي شبيها؟

وتقول الشاعرة “خديجة بنت الخليفة المأمون” في وصف رقّة المعشوق، وكأنّها أخذت موقع الشاعر الذكر في وصف محبوبته:

تاللّه قولوا لمن ذا الرّشا       المثقلِ الرِّدفِ الهضيمِ الحشا

أظرفَ ما كان إذا ما صحَا       وأملحَ الناس إذا ما انتشى

وقد بنى بُرجَ حمامٍ له           أرسلَ فيه طائراً مرعِشا

يا ليتني كنتُ حماماً له          أو باشقاً يفعلُ بي ما يشا

والشّاعرة سلمى البغداديّة تستغرب تعامي العشّاق عن النظر إليها، فتقول معتدّة بجمالها:

عيونُ مها الصّريم فداءُ عيني       وأجياد الظّباء فداءُ جيدي

أزيّنُ بالعقود وإنّ نحري           لأزينُ للعقود من العقود

ولا أشكو من الأرداف ثقلاً          ويشكونَ من ثقلِ النّهودِ

ولو جاورتُ في بلدٍ ثموداً            لما نزلَ العذابُ على ثمود

أمّا قوّة الشّخصيّة والاستقلاليّة والثقة بالنفس فتصل بالشاعرة التي ذاع صيتها بعلاقتها بالشاعرين “ابن زيدون” “وابن عبدوس”  “ولادة بنت المستكفي” حدّاً عالياً لا تألفه الثّقافة الذّكوريّة المسيطرة، بل وتتهيّبه أيضاً بأن خطَّتْ على طَرحتها بشكلٍ بارزٍ البيتين الشعريّين الجريئين الآتيين:

أنا والله أصلحُ للمعالي           وأمشي مشيتي وأتيهُ تيها

أمكّن عاشقي من صحن خدّي     وأُعطي قبلتي من يشتهيها

أوس أحمد أسعد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى