تحقيقاتصحيفة البعث

الاختصاص على المحك الطب الشرعي في سورية.. تناقص متزايد في الكوادر.. وصيغة الدعم الحكومي تنتظر الإقرار

جهود مضنية بذلت ولاتزال من قبل الأطباء الشرعيين منذ بداية الأزمة التي تعرّضت لها سورية، وفي ظل ظروف بالغة الصعوبة استمر العمل بأقصى طاقة وأقل الإمكانات، إذ إن الكادر في تناقص، والتعويضات غائبة، وتسرب الموجود حالة واقعية، ورغم تأسيس الهيئة العامة للطب الشرعي منذ ما يزيد عن أربع سنوات، إلا أن الوضع لايزال دون المأمول، فقد  دقت هذه المهنة ناقوس الخطر، وبات وجودها من عدمه على شفير الهاوية نتيجة هذه الحالة التي تمر بها، ومع أن الهيئة العامة للطب الشرعي تحاول المستحيل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن يداً واحدة لا تصفق، وهناك حاجة ملحة لتكاتف الجهود للحفاظ على ما تم الوصول إليه وتطويره بدل اندثاره وخسارته.

معوقات

الدكتور زاهر حجو، مدير عام هيئة الطب الشرعي، بيّن أن الصعوبات التي تعانيها مهنة الطب الشرعي ناتجة عن جملة معوقات، أولها متمثّل بالكادر البشري، لأن عدد الأطباء الشرعيين في تناقص كبير نتيجة عدة أسباب، أهمها مخاطر المهنة، والضغط النفسي الناجم عن العمل بها في بعض جزئياتها، إضافة إلى النظرة المجتمعية للطبيب الشرعي، وأن تعامله مع الأموات فقط، ومشاركته في الكشف عن الجرائم هي السمة الغالبة لهذه النظرة المجتمعية، إضافة إلى طبيعة عمله التي تجعله في بؤرة الخطر في بعض الأحيان من قبل مرتكبي الجرائم، أو انتقال الأمراض المعقدة إليه أثناء تأديته واجبه، وثانيها متمثّل بالحالة المادية للأطباء الشرعيين، لأنهم لا يتقاضون أي تعويض على غرار أقرانهم من باقي الاختصاصات التي يتعرّض فيها الطبيب لبعض المخاطر مثل أطباء التخدير، وبالتالي فإن عزوف الأطباء عن هذا الاختصاص من وجهة نظرهم صحيح ولا يقبل الجدال، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على مواد التحليل نتيجة العقوبات المفروضة على سورية، حيث تأثرت هذه المهنة بشكل أساسي بكل تفاصيلها، وباتت تعتمد على الجهود البشرية للأطباء الموجودين وخبرتهم للاستمرار الذي لن يكون طويلاً ما لم تكن هناك خطة إنقاذ وطنية لهذه المهنة الصعبة والهامة في آن معاً.

 

واقع

وعن الهيئة العامة للطب الشرعي رأى حجو أن وجود الهيئة نظم العمل بشكل كبير، لأن الأطباء الشرعيين كانوا يتبعون لمديريات الصحة، ولكن بعد تشكيل الهيئة بعامين ونصف أصدر وزير الصحة قراراً بضم كافة الأطباء الشرعيين في سورية إلى ملاك الهيئة العامة للطب الشرعي، ورغم أن العدد الحالي غير كاف على الإطلاق فإن الكادر يضم 56 طبيباً شرعياً عاماً، و20 طبيب أسنان شرعياً، بالإضافة إلى بعض المكلّفين في المحافظات التي لا يوجد فيها أطباء شرعيون، وأضاف المدير العام لهيئة الطب الشرعي بأنه تم إلحاق مخبر DNA الذي كان مهملاً طيلة الفترة الماضية، حيث بُذلت جهود كبيرة لإعادته إلى العمل، واليوم الجميع بانتظار تأمين مواد التحليل ليتم إطلاقه بشكل عملي وفق أحدث الأساليب.

وكشف حجو عن اتفاقيات مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر للعمل في المخبر وتطويره، وتأمين المواد له وفق المتاح، يضاف إلى هذا المخبر مخبر السموم المركزي الذي تم تطويره، وسيتم إطلاقه في الفترة القادمة، ومن المتوقع أن يساهم هذا المخبر في الكشف عن أية أنواع سموم مستخدمة في الحالات الجنائية وغيرها، وبيّن حجو أن اتفاقية التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر تضمنت تجهيز مخبر الاستعراف المركزي في مدينة دمشق ليتم العمل على كشف الجثث المجهولة، ومعرفة أصحابها، بالإضافة إلى باقي الأعمال الموكلة للمخبر كالاستعراف على الأحياء، كما تم ترميم مشرحة الطب الشرعي في حماة بالتعاون مع اللجنة.

 

ورشات عمل

وبيّن المدير العام لهيئة الطب الشرعي أن الهيئة منذ تأسيسها أقامت العديد من ورشات العمل التدريبية على المستوى الوطني بمعدل 6 إلى 8 ورشات بالعام، وذلك بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، خصوصاً فيما يخص المقابر الجماعية التي تم اكتشاف العديد منها في مناطق سيطرة المجموعات الإرهابية المسلحة، حيث تم استخدام أحدث الأساليب في هذه الورشات بالاستعانة بخبرات وطنية وأجنبية لها باع طويل في هذا المجال.

كما أشار المدير العام للهيئة  إلى الورشات التدريبية الخارجية التي شارك فيها الأطباء الشرعيون أعطتهم خبرة ممتازة في ميدان العمل، حيث تم إيفاد مجموعات من الأطباء إلى كل من ايطاليا، وقبرص، وباكستان، وكندا، والصومال تلقوا خلالها تدريبات عالية في مجال الطب الشرعي، وكانت أهم ورشة خارجية شاركوا فيها في الصومال نظراً للفترة التي قضوها هناك /45 يوماً/، والتدريب العالي الذي تلقوه بخصوص اكتشاف المقابر الجماعية، وكيفية التعامل معها منذ لحظة اكتشافها وحتى الوصول إلى تحاليل /DNA/، علماً أن الهيئة ستقوم بإيفاد باقي الأطباء على مجموعات بالتعاون مع اللجنة  الدولية للصليب الأحمر لاكتساب مزيد من الخبرة في هذا المجال.

طب الأسنان الشرعي

ورأى حجو أن طب الأسنان الشرعي يعتبر الجانب الواعد في عمل الهيئة نظراً لعدة عوامل أهمها وجود أطباء أسنان شرعيين محترفين كانت لهم مشاركة فعالة في بحوث علم الإنسان /انتربيولوجي/، ونتيجة لهذه الحالة فقد تم إقرار خطة لتطبيق بصمة الأسنان على المستوى الوطني، وهي قيد الإنجاز، حيث من المتوقع أن يبدأ العمل بهذه البصمة بشكل تدريجي نظراً لأهميتها، على سبيل المثال: في تسونامي الذي ضرب أندونيسيا تم الكشف عن أكثر من نصف المصابين من خلال بصمة الأسنان، كما يتم كل يوم الكشف عن جرائم غامضة عن طريق هذه التقنية، علماً أن الهيئة تولي هذا الجانب أهمية كبرى نظراً للفائدة المتوخاة، ولضرورته لكل مواطن سوري في المرحلة القادمة.

إمكانات

وعن الإمكانات الموجودة بيّن حجو أن الهيئة تقوم بالعمل على بناء الملاك العددي بحسب الحاجة، وأصبحت هناك موازنة استثمارية للهيئة، “مخصصة للمشاريع التي ستقوم بها الهيئة في نطاق عملها، وتجهيز مراكزها وتفعيلها بشكل أكبر”، علماً أن هناك 11 طبابة شرعية على مساحة سورية تعمل على مدار الساعة، ورغم ضعف الإمكانات تمكنت هذه المراكز من فحص ما يزيد عن 60 ألف شهيد مدني وعسكري، بالإضافة إلى ضعف هذا العدد من الإصابات، وساهمت هذه الطبابات بإيجاد إحصائيات حقيقية لهؤلاء الشهداء والجرحى، وسيكون عمل الهيئة نوعياً ومتميزاً في حال زاد الدعم المالي الحكومي، واكتمل عقد الكادر الإداري والفني بشكل يلبي الحاجة المرجوة.

مستقبل الطب الشرعي

ورأى المدير العام لهيئة الطب الشرعي أن مستقبل هذا الاختصاص على المحك، وأن صوت ناقوس الخطر بدأ بالارتفاع إذا لم يتم إقرار صيغة دعم حكومي مالي، فالحالة ذاهبة إلى انقراض هذه المهنة خلال فترة ليست بالطويلة إذا بقي الوضع على ما هو عليه، أما في حال توافر الدعم المالي الكافي فإن المستقبل سيحمل رؤية جميلة، لأن عدد الأطباء الممارسين سيتضاعف، علماً أن هناك العديد من الإجراءات التي تم اتخاذها، ولكنها غير كافية مثل العمل على إطلاق طابع الطب الشرعي، وتخصيص جزء من عائدات التقارير الطبية الشرعية المأجورة للأطباء.

ووجّه المدير العام لهيئة الطب الشرعي د. زاهر حجو التحية لكل الأطباء الشرعيين، والكوادر العاملة معهم على الجهود التي بذلت ولاتزال على ساحة سورية، لأنهم قاموا بأكثر مما يستطيعون لخدمة وطنهم، مع الأمل بالإنصاف بأسرع وقت.

من الآخر

نظراً للأهمية الكبرى لوجود الطب الشرعي فإن المطالب التي طرحت بخصوص توفير الدعم اللازم باتت مطالب محقة، وأصبح لزاماً على الجهات صاحبة العلاقة النظر في هذا الملف، وتوفير صيغ دعم مقبولة تساهم في تنمية هذا القطاع وتطويره، وإلا فإن القادم سيكون مظلماً، وسنفقد جزءاً مهنياً علمياً مهماً جداً، ولن ينفع البكاء على الأطلال بعد غيابه، فهل سنرى مستقبلاً مشرقاً، أم أن واقع الحال من المحال؟!.

مرهف هرموش