المتطــــرِّفــــــــان؟!

المتطــــرِّفــــــــان؟!

التطرّف -بالاتفاق- صفة لأساليب العمل وأنماط التفكير المستخدمة بهدف الوصول إلى التغيير السياسي أو الاجتماعي بوسائل غير مقبولة من المجتمع عن طريق العنف والتخريب والترويج لأفكار وأعمال تعصف بالتماسك الاجتماعي وبالاستقرار والأمن، وبالوحدة الوطنية أيضاً.

وعليه، فهو مقترنٌ بخطاب الكراهية لأنه لا شك نقيض الوسطيّة والاعتدال اللذين يمثلان المشترك الإنساني والأخلاقي بين الشعوب. ويسوغ المتطرّف آراءه وتصرفاته بادّعائه أنه “مقاتل من أجل الحرية” وأنه “الأفضل” ويمتلك الحقيقة وحده.

ولا شك في أن مفهوم التطرّف أُدخل في السياق الإيديولوجي، وصار في كثير من الأحيان سياسة أكثر منه معرفةً، وقد وقع “المجتمع الدولي” في متاهات التعامل معه، ونلاحظ ذلك، بل نتأكد منه حين نقرأ بعض أوراق العمل، أو البيانات، أو المؤلفات الأممية الصادرة عن مؤسسات المجتمع الدولي، ومنها على سبيل المثال ما قدّمته اليونسكو تحت عنوان: “درء التطرّف العنيف”، وكذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2016 “خطة العمل من أجل منع التطرّف العنيف”، وأيضاً منظمة الأمن والتعاون في أوروبا “الوقاية من الإرهاب ومكافحة التطرّف العنيف والراديكالية المؤديين إليه” والكتاب الأخير غاية في الأهميّة.

ويبدو أن لكلّ شعب من الشعوب، ولكلّ زمن من الأزمان، خصوصيته في التعامل مع ظاهرة التطرّف، ومع المصطلح نفسه الذي أثّرت في وظائفيته الأحداث التي شهدتها أفغانستان أولاً، والعراق ثانياً، ووقائع ما سُمّي بالربيع العربي ثالثاً، فصار مقترناً بالشعوب الإسلامية، والعربية منها تحديداً. وقد شهد انزياحاً وانحرافاً مع مرور الزمن بشكل عصيّ على الاتفاق حتى غدا صعباً التمييز بين مترادفي التطرف Radicalism وExtremism، وإن كان الأول منهما يتصل بخطاب التطرف اليساري الذي غاب في الخطاب الإعلامي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وشاع الثاني Extremism وصار لصيقاً بالتطرف “اليميني” الديني والإسلامي تحديداً.

ونحن في بلدان لم يكتفِ المستعمر القديم والجديد فيها باحتلال الأرض، بل لا يزال يعمل حتى اليوم على استعمار العقل الجمعي فيها أيضاً. بلدان طالما بحث فيها الفكر النهضوي في ثنائيات التطرّف اليساري والتطرّف اليميني، والعلمانية والدين… الخ، ما يقتضي “وعي” منعكسات ذلك لتجاوز النتائج السلبية التي ترزح تحت وطأتها الأفراد والمجتمعات والأوطان والأمة.

مع أهمية الإشارة إلى ما عانيناه من تحالف اليسار المتطرف مع اليمين المتطرف في الثمانينيات.. واستمر ذلك إلى اليوم في الحرب على سورية.

ومن الجدير بالذكر أن المجتمعات الغربية عانت في النظرية والممارسة من تلك الثنائيات وهي في طريقها إلى الحداثة، وفي انتقالها من الحداثة إلى مابعد الحداثة، ويُعدّ هابرماس الفيلسوف الألماني المعاصر من أهم من قدموا نتاجاً مهماً جداً، وأجوبة واضحة عن السؤال المتشعّب في هذه القضايا، وهو يؤكد وسط العلمانيين “أننا نعيش في -عالم ما بعد علماني- والذي يجب عليه أن يصبح متكيّفاً مع الوجود المستقر للجماعات الدينية”، مطالباً المواطنين غير المتدينين في مقالته التي نشرها عام 2006 بعنوان: “الدين في الفضاء العام” بتحديد مستوى أعلى لتفكير ذاتي نقدي مقترن بفهم متجدّد لطبيعة العقد الاجتماعي، ولدستور علماني لا يتناقض مع تأصيل رؤية ديمقراطية اجتماعية بنّاءة وهادفة إلى تخفيض النزعات العدائية في المجتمع والدولة.. مع إشارته إلى “الصحوة الدينية الطامحة إلى التسلّط في الولايات المتحدة وفي العالم الإسلامي”، دون أن ينكر المهام الأخلاقية والتكاملية للدين داخل المجتمع.

وهو ما تحسن الإشارة معه إلى تضافر جهود النهضويين العرب، العلمانيين منهم ورجال الدين الإسلامي والمسيحي على إنجاز الاستقلال والتحرر الوطني العربي، وإلى ما أعقب ذلك من دساتير وطنية علمانية بقي الإسلام في أغلبها مصدراً أساسياً للتشريع.

إذن، مثل هذه الإشكالات لا يفيد طرحها أبداً في وسائل التواصل الاجتماعي التي غالباً لا يقترن الخطاب التداولي فيها بالنزعة العقلية قدر اقترانه بالنزعة الانفعالية، والتي لا قيمة فيها لحصد مئات ولا آلاف “اللايكات”، فهي تحتاج إلى منابر رصينة وعقول نيّرة خبيرة، ولاسيما أننا في مجتمعات لا تغيب عنها الصدوع، ولا تنقصها الآلام، وكذلك الاستهداف، ما يتطلّب ألّا يُراهن على الإصلاح السياسي والديني فيها إلا على العقلانيين، لأنه من الصعب أن يُترك لغوغائيي الفيسبوك صنع الرأي العام أو اقتياده.

إن طرح فكرة التقدم في الغرب، ونجاح الحداثة فيه تحقّقا عبر سجال بين المفكرين “الكبار” على نحو ما نرى في نقد ماركس لهيغل، وفي إيمانه وإتمامه لما طرحه فيورباخ في نقد أثر “الديني”، لكن لينين البلشفي الحقيقي لم يكن عالة عليهما في سعيه لانتصار ثورة أكتوبر 1917، وهذا واضح في كتابه “ما العمل؟” الذي ألّفه عام 1902 ورأى فيه -من بعض مارأى- أن لا ضير في التركيز على المضمون الاجتماعي الإيجابي الذي يمكن أن يحمل إطاراً دينياً. وهذا لايعني العبث بالموقف الواضح والمتشدد للماركسية من الدين ولا إنكاره أو تجييره. لكن علينا بالمقابل ألا ننكر أيضاً قيمة ما كتبه لينين، وما الذي دفعه عام 1920 وبعد نجاح الثورة إلى تأليف “أمراض الطفولة عند اليسار المتشدّد”.

في هذه الظروف التي نعيشها كمجتمع ودولة لانحتاج أبداً في القضايا السياسية والاجتماعية إلى إقدام وتهوّر وتسرّع، بقدر ما نحتاج إلى قراءة وتفكير نصدر فيهما عن خبرة وبُعد نظر، ورؤية واقعية ومستقبلية فلا منقذ كالوعي ولا أهم من التزام التعقّل.

ولا يُقصد بهذا الكلام شخص أو جماعة أو تيار، بل الظاهرة التي تتمثّل بعض تجلياتها بالسوشيال ميديا المتسرّعة والتي يغيب عنها أولاً حاجة الوطن إلى أنساق مفاهيمية دقيقة، تعقبها ثانياً أنساق إجرائية مترويّة، بعد الاعتراف بالمفرزات المريرة للعدوان على سورية، تلك التي لم تكن موجودة من قبل؟!.

والمسألة أكبر من ردّ على أحد..، ففي طريق الغرب إلى التقدم والحداثة لم تستهدف العقلانية ولا العلمانية الدين، ولم يضِرهما وجود من يرى أن الدين مكوّن أساسي ليس من الضروري تقويضه، فلم يرفض الأوروبيون رأي دوركهايم مثلاً في الوظيفة التكاملية والتضامنية للدين، ولاحديث ماكس فيبر عن أثر الدين في التأسيس للتحولات الاجتماعية، وبالمقابل لم يرفضوا نقد الدين، لكن كـ”ظاهرة وليس كأفراد”.

فعلينا كعلمانيين ألا نقدّم تصوراً زائفاً عن الدين -الإسلامي تحديداً- يخدم مصالح المتطرفَين “اليمين واليسار” لنبني مسرحاً دامياً جديداً آخر للصراع، في وقت اجتهدت فيه القوى المضادة المتطرفة -وداعموها من علمانيي الغرب- ليكون الدين وسيلتها لصياغة المشهد الاحتجاجي خدمة لمشروعها التفتيتي التقسيمي.

وإذا كانت حرية الرأي والتعبير -على مايبدو واضحاً- مصانةً، فليس بالضرورة أن تكون مقنعة أو محترمة، ونحن نشهد ما نشهده من إشكاليات متنوعة تتطلّب تضافر جهود المؤسّستين الوطنيتين السياسية والدينية في سعيهما المنشود إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي والبناء المعنوي والمادي، إدراكاً لحاجة المجتمع والدولة الماسّة إلى تضافر جهودهما سويةً للقضاء على التطرف والتكفير والإرهاب، وإلى تعزيز الوحدة المجتمعية والوطنية.

د. عبد اللطيف عمران

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة