الحرب.. إن وقعت؟

الحرب.. إن وقعت؟

الحرب التي يستبعدها الجميع، ولا أحد يريد خوضها، يمكن أن تندلع في أي لحظة، فالتحشيد العسكري والعنجهية الأمريكية الرافضة للإقرار بالهزيمة، بعد أن استنفدت إدارة ترامب كل وسائل الضغط دون تحقيق الهدف الاستراتيجي بإخضاع إيران وإجبارها على تغيير “سلوكها”، طبعاً وفق المفهوم الأمريكي، يجعل عود الكبريت قريباً جداً من برميل البارود، خاصة بعد إسقاط طهران بالأمس طائرة تجسس أمريكية متطوّرة فوق الأراضي الإيرانية، هذا يدلل على أن مرحلة جس النبض واختبار القوة قد بدأت فعلاً، وأي حماقة أخرى يرتكبها ترامب قد تؤدي إلى حرب لا تبقي ولا تذر.
ولأنها تضع كل الاحتمالات على أجندتها، بدأت المؤسسات الأمريكية بالتحضير لسيناريو الحرب عبر إطلاق بالون اختبار بطائرة تجسس، وسارعت للبحث في الآن ذاته عن الممول والداعم اللوجستي، فأُخرج ملف اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي من الأدراج ووضع على الطاولة من جديد. وهذه المرة من رئيسة الهيئة المستقلة للأمم المتحدة أغنيس كالامار، والتي أعلنت أن لديها وثائق كافية تشير إلى ارتباط ابن سلمان بجريمة القتل، ما يعني أننا أمام جولة ابتزاز أمريكية جديدة قابلة للتصعيد في المحافل الأممية في حال عدم الرضوخ كلياً للإملاءات الأمريكية، أو عودة ذاك الملف إلى الأدراج إن حصل العكس.
إذاً، المنطقة على أبواب مرحلة جديدة من التسخين المتصاعد، حيث لا يمكن لإيران أن تصمت عن أي اعتداء على سيادتها، مهما كان شكله، كما يشتهي ترامب الذي غرد “تويتيرياً” بأن إيران ارتكبت خطأً كبيراً بإسقاطها الطائرة، وهذا إن دل على شيء، فهو يؤكد أن الرئيس الأمريكي يتخذ قراراته دون حساب لرد الفعل انطلاقاً من اعتقاده بأن الجميع يرتعد من أمريكا ويقابل وقاحتها إما بالصمت أو بتوقيع شيك على بياض، كما يفعل “معسكر الانبطاح والاعتلال”.
لذلك على العقلاء في البيت الأبيض تقديم النصح للرئيس الأمريكي وإعلامه بأن أي اعتداء على إيران سيقابل برد مماثل وربما أقوى، وقد تتسع رقعته لتشمل المنطقة برمتها، حيث إن جميع المصالح الأمريكية ستكون في مرمى الاستهداف، وكذلك قاعدتها المتقدمة “إسرائيل”، بعبارة أخرى نحن أمام حرب شاملة ستضر بالجميع، ولا أحد يمكنه التكهّن كيف ستنتهي إن اشتعلت، فالمسألة أبعد من تأمين كُلف الحرب والتي ستكون حتماً باهظة جداً، أو من إقامة حلف تنضم إليه بعض الدول مرغمة أو تجنباً للغضب الأمريكي.. هي في الحقيقة معركة كسر عظم، ولن يُسلّم أي من الأطراف المستهدفة بمشيئة الإدارة الأمريكية، ومحور المقاومة قادر على إفشال كل المخططات التي تستهدف أمنه وسيادته واستقلاله، ولن يبقى أيضاً مكتوف الأيدي أمام العقوبات الأمريكية الظالمة، والتي تحاول واشنطن من خلالها تجويع الشعوب للضغط على الحكومات للقبول باستمرار الهيمنة الأمريكية على العالم.
نعم العالم تغيّر، وعوامل الردع الاستراتيجي باتت في متناول الجميع، ويكفي النظر إلى النصر الذي حققته سورية في مواجهة نحو 85 دولة، بينها أمريكا، وكذلك صمود اليمن الذي جعل النظام السعودي يبحث عن مخرج من عنق الزجاجة الذي وضع نفسه فيه بعد أن ضربت صواريخ المقاومة اليمنية المدن السعودية، هي أمثلة تؤكّد أنه بوسع أمريكا أن تطلق الرصاصة الأولى، لكن المؤكد أنه ليس باستطاعتها تحديد موعد إيقاف الحرب..
مفاهيم الحرب تبدّلت، وهي إن وقعت سترسم ربما بداية النهاية للهيمنة الأمريكية.
عماد سالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة