حرائق المحاصيل في السويداء..  خسائر موجعة للفلاحين والاقتصاد الوطني ونداء للتعويض والحماية

حرائق المحاصيل في السويداء..   خسائر موجعة للفلاحين والاقتصاد الوطني ونداء للتعويض والحماية

“الله يعوّض علينا وعليك”، هي جملة طالما اعتاد أبناء السويداء على قولها في إطار المواساة عند سلسلة الإحباطات التي أصابتهم خلال عامين متتاليين، واليوم يتكرر المشهد مرة أخرى، ومن بوابة الحرائق هذه المرة، حيث يواسي المزارعون أنفسهم بعد أن طالت الحرائق مساحات واسعة من حقولهم حاصدة بشرى موسم خير، وجهد عام بأكمله، ملحقة خسائر كبيرة لا تعوّض في بعض تفاصيلها عندما يتعلق الأمر بالأرواح، ويبقى السؤال: ماذا عن تعويض الحكومة لمزارع يسعى لتأمين محصول استراتيجي يتعلق بلقمة عيش الناس؟!.

حبة القرار

الشاب عمران القنطار استشهد أثناء مشاركته بعمليات إطفاء الحرائق في الريف الغربي للسويداء، استشهاده خساره لا تعوّضها أية إجراءات حكومية، أو صناديق تمويل، ففي مثل هذه الحالة من الارتباط بين الروح والأرض ترتقي العلاقة، وتسمو عن أية علاقة أخرى، اختيار هذه الحالة قد يكون مدخلاً مهماً عندما يتعلق الأمر بمحصول استراتيجي له ارتباط وثيق بلقمة عيش المواطن، ولكل حبة عرق تبذل من أجل إنبات هذا المحصول أهميتها، خاصة أن البديل عنها غالباً ما ينسحب على القرار السياسي وامتلاكه، واليوم تطالعنا الأخبار القادمة من مناطق زراعة القمح عن حريق نشب هنا، وحريق نشب هناك، وكثيراً ما سمعنا عن إجراءات لحماية هذا المحصول الاستراتيجي، فمحصول القمح جزء أساسي من معادلة تحقيق الأمن الغذائي، ويشكّل عنواناً أساسياً من عناوين الصمود ضد أية هجمة يتعرّض لها الوطن، ومن هنا أدركت الجهات المعنية الأهمية المتزايدة للقمح، فعملت على دعمه، وتأمين كافة مستلزمات إنتاجه للفلاحين، ومع ذلك نجد الحكومة اليوم تتقاعس عند أول اختبار في حماية هذا المحصول، وقد سبقته حالة تراجع في عملية المواءمة بين النمو السكاني والطلب المتزايد على مادة القمح، وعملية التوسع في زراعته، ولذلك انتقلت محافظة السويداء على سبيل المثال من مرحلة الفائض إلى الحاجة.

يقول حسام، وهو أحد أبناء بلدة المزرعة التي تعرّضت مساحات واسعة من أراضيها المزروعة للحرائق: إن الأرض هي مصدر الدخل الأساسي له، وينتظر المزارع موسمها من عام لعام، حسام الذي خسر نحو 60 دونماً جراء الحرائق يصف خسارته “بخربان البيت”، مطالباً بتعويض يعطي فسحة أمل للمزارع تجعله يفكر بالعودة إلى الأرض مجدداً.

خسارة حسام التي تصل لنحو ثلاثة ملايين ليرة قد تكون بسيطة بالنسبة للبعض من أصحاب القرارات التي غالباً ما يكون استهلاكهم الشهري موازياً لهذا الرقم، لكن الرقم ذاته بالنسبة للفلاحين المتضررين يعتبر كارثة قد تنعكس على واقعهم المعيشي، وتنسحب تالياً على واقع تحمّلهم لهذا النوع من الخسائر جراء تمسكهم بمحصولهم الاستراتيجي.

 

تراجع ملحوظ

لا شك أن سلسلة الانتكاسات تضاف إليها مجموعة عوامل انعكست على واقع زراعة القمح، وأدت إلى تراجعه لصالح مزروعات أخرى، حيث يقول رئيس اتحاد فلاحي السويداء إحسان جنود: إن الفلاح يعاني من مشاكل متعددة وكثيرة أصابته بالإحباط في الكثير من المواقف، فمن ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى سوء تصريف الإنتاج، إلى الكوارث الطبيعية والبيئية التي كانت آخرها الحرائق، كلها عوامل أثرت على عمليات الإنتاج، وأشار جنود إلى دور اتحاد الفلاحين كجزء من معادلة تسيير الأزمة، فيقوم بعملية الموازنة بين مصلحة الفلاح المباشرة، ومصلحة تسيير أمور القطاع العام من خلال توعية الفلاح، وإرشاده، وتأمين مستلزمات الإنتاج له من بذار، ومحروقات، وسماد، وغيرها.

ويعيد رئيس اتحاد الفلاحين في السويداء التذكير بأن محصول القمح في سورية مصنّف كمحصول استراتيجي، ويلقى الاهتمام والدعم من قبل الدولة، وتنحصر المتاجرة به ضمن مؤسسات الدولة نظراً لهذه الأهمية.

وبالحديث عن محصول القمح في محافظة السويداء بيّن جنود تذبذب الإنتاج ومردود وحدة المساحة بين موسم وآخر كونه زراعة بعلية تتأثر بالهطولات المطرية من حيث كمياتها وتوزعها، مشيراً إلى أن متوسط المساحة المزروعة سنوياً في المحافظة حوالي 300 ألف دونم، يتراوح إنتاجها بين 15 ألفاً و30 ألف طن، ويدخل في الدورة الزراعية كأهم محصول من ضمن التراكيب المحصولية بكافة الدورات المتبعة، ويزرع بشكل أساسي في منطقة الاستقرار الثاني.

وبيّن أنه قديماً كان إنتاج المحافظة أكثر من حاجتها، وتصدّر إلى محافظة دمشق، ويصل الإنتاج في بعض الأحيان إلى لبنان، وهذا مرتبط بعدة عوامل منها: عدد السكان القليل، وكذلك فإن القمح كان المحصول السلعي رقم واحد، وكان يشكّل وحدة النقد بين الفلاحين من خلال العمل بمبدأ المقايضة، وكانت معظم الأراضي المستثمرة مخصصة لزراعة القمح، أما حالياً فقد امتدت زراعة الأشجار المثمرة، إضافة إلى التوسع العمراني، والمنشآت التي قضمت الكثير من المساحات، أما العامل الأهم، حسب جنود، فهو توفر الأيدي العاملة سابقاً، حيث كان جميع سكان المحافظة يعملون في الزراعة التي كانت تشكّل فرصة العمل الوحيدة، وقد كانت هناك اجتهادات للفلاحين، ومنها انتخاب البذار، وهي أحد أشكال تربية المحصول.

تخطيط استراتيجي

في مديرية الزراعة نجد الواقع أكثر تفاؤلاً وأملاً، حيث الخطط مرسومة بشكل استراتيجي لزيادة هذا المحصول بشكل يتوافق مع النمو السكاني، فهناك الحديث عن اختيار الأصناف المناسبة لجهة إدخال الأصناف الحديثة، وعدم الاكتفاء بالأصناف المحلية، وقد اختارت المديرية ثلاثة أصناف هي: شام 5، وشام 3، ودوما 1، ويتم الاختيار فيما بينها حسب كمية الأمطار المفترضة للموسم، ويتم توزيع المحافظة إلى مناطق، ويحدد الصنف الملائم لكل منطقة، إضافة إلى الاهتمام بالتربة ومواصفاتها عبر عمليات التحليل والتسميد للوصول الى مواصفات التربة المناسبة، أما في حالة التعويض فالأمر مختلف، يقول مدير الزراعة المهندس أيهم حامد: إن المساحات المتضررة بالحرائق بلغت حوالي 1375 هكتاراً، منها 255 هكتار قمح، وحوالي 159 هكتار شعير، و39 هكتار بقوليات غذائية، و35 هكتار بقوليات علفية، والأشجار المثمرة حوالي 71 هكتاراً، وهذه النسبة خاصة بالنسبة للقمح تشكّل 1% فقط، لكن هذه النسبة القليلة من أصل المجموع تشكّل موسم عام كامل بالنسبة للفلاحين المتضررين، ومديرية الزراعة بالتعاون مع كافة الجهات المعنية اتخذت إجراءات مبكرة للتعامل مع الحرائق عبر وضع خطة للتعامل مع الحرائق، وهذا ساهم في الحد من انتشارها عبر التعامل معها بسرعة، أما الإجراء الثاني فهو حصر المساحات المتضررة، سواء بشكل عام، أو على مستوى الأفراد، حيث أصبحت لدينا إحصائية عن الأضرار التي لحقت بكل فرد، أما الموضوع الذي يشغل حديث المواطنين حول التعويض من صندوق التخفيف من آثار الجفاف، فبيّن حامد أنه لا يوجد في قوانين الصندوق بند للحرائق، وبالتالي قوانينه لا تسمح بذلك، إلا أن هناك محاولات أخرى عبر السعي للحصول من جهات مانحة للتعويض على المزارعين.

 

المطلوب قرارات مستعجلة

هناك مقولة ترافقنا دائماً، ونعتز بها، وغالباً ما تكون مصدر حماس في خطابات مسؤولينا وهي: (من ملك الرغيف ملك القرار)، طبعاً هذه المقولة كانت عنواناً أساسياً لاستراتيجية تحقيق الاكتفاء الذاتي، خاصة في مجال إنتاج القمح، ولذلك كانت الإجراءات الصارمة من قبل الدولة للحفاظ على المحصول، والتوسع به، وقد يكون تعويض الفلاحين عن خسائرهم جراء الحرائق خطوة هامة في طريق امتلاك القرار، وهنا لابد من ابتكار أساليب وطرق جديدة للتعامل مع هذه الحالة، وعدم الاكتفاء بمقولة القوانين لا تسمح، فكم من قوانين غيّرت بين ليلة وضحاها في حالة رغبة المعنيين بذلك، وفي حالة تمس محصولاً استراتيجياً، ولابد من استنفار الجهود لتأمين التعويض اللازم.

 

رفعت الديك

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة