لـــــو أنّ…

لـــــو أنّ…

 

 

د. نضال الصالح
في كتاب “الحيوان” للجاحظ قوله: “والعرب إنَّما كانت تسمِّي بكلب، وحمار، وحجر، وجُعَل، وحنظلة، و.. على التفاؤل بذلك، وكان الرجل إذا وُلد له ذكَرٌ خرج يتعرّض لزجر الطير والفأل، فإِنْ سمعَ إنساناً يقول حجراً، أو رأى حجراً سمَّى ابنَه به وتفاءلَ فيه الشدَّة والصلابة.. وكذلكَ إنْ سمعَ إنساناً يقول ذئباً أو رأى ذئباً، تأوَّلَ فيه الفِطنةَ والخِبَّ والمكرَ والكسبَ، وإن كان حماراً تأوَّل فيه طولَ العُمر والوقاحة والقوَّة والجَلَد، وإن كان كلباً تأوَّل فيه الحِراسة واليَقَظة”.
وفي غير مكان من المدوّنة التراثية أنّ ممّا قالتِ العربُ: “أسماءُ أولادنا لأعدائنا، بينما أسماءُ عبيدنا وجوارينا لنا”. وفي غير مكانٍ أيضاً أنّ الاسمَ القبيحَ كانَ يشتدُّ على خاتم الأنبياء، وأنّه أبدلَ بأسماء غير واحد من صحابته ممّا كانَ لهم في الجاهلية أسماء أخرى في الإسلام، مِن مثلِ أبي بكر الصديق الذي كان اسمه في الجاهلية عبدَ الكعبة، فسمّاه عبدَ الله، وعبد الرحمن بن عوف الذي كان اسمه في الجاهلية عبد الحارث، وقيل عبد عمرو، وزادُ الخير الذي كان اسمه في الجاهلية زاد الخيل. وممّا رويَ عنه أنّه منعَ رجلاً اسمه حرْبٌ، وقيل مُرّة، أن يحلبَ شاةً له كان يريدُ حلبَها. وأثُر عنه قوله: “حسّنوا أسماءَكم، فإنّ صاحبَ الاسمِ الحسَنِ قد يستحي من اسمه”، ونقلَ أبو هريرةَ عنه قوله لصحابته: “إذا بعثتم إليّ رجلاً، فابعثوه حسَنَ الوجه، حسَن الاسم”.
ورويَ عن أحد الخلفاء قوله: “أحبُّكم إلينا أحسنُكم أسماءً، فإذا رأيناكم فأجملَكُم منظراً، فإذا اختبرناكم فأحسنَكم مَخبراً”. وفي “أسرار البلاغة” للجرجانيّ “أنَّ مَثَلَ الاسم مَثَلُ الهيئة التي يُستدَلّ بها على الأجناس، كزِيِّ الملوك وزيّ السُّوقة، فكما أنك لو خلعْتَ من الرجل أثواب السوقة، ونَفَيْتَ عنه كل شيء يختصُّ بالسوقة، وألبستَهُ زِيَّ الملوك، فأبديته للناس في صورة الملوك حتى يتوهّموه مَلِكاً، وحتى لا يَصِلوا إلى معرفة حاله إلا بإخبار أو اختبار واستدلال”.
وفي معاجم اللغة أنّ الاسمَ هو اللفظُ الموضوعُ على الجوهر أو العَرَض. وفي الواقع أنّ بعضَ الناس، وربّما كثير، ليس له من اسمه أيّ نصيب، بل إنّ غيرَ قليلٍ منهم يمكنُ أنْ يكونَ فعْلُه، أو شكله، مغايراً لاسمه، بل مضاداً له. وعلى الرغم ممّا ذهب إليه غيرُ عالِم مِن علماء الاجتماع والتربية والنفس مِن أنّ للاسم تأثيراً في شخصية صاحبه، فإنّ غير قليل من الناس لا أثر لاسمه في شخصيته، بل إنّ غير قليل منهم يتضاد اسمه وشخصيته، ومن ذلك أن يكون اسم أحدهم ثائراً وهو عبدٌ ذليل خانع لمَن يعيش في كنفه وتحت إبطه، أو مرشداً وهو ضلال على ضلال، أو فاروقاً وهو ابن الباطل ليله ونهاره ومأكله ومشربه، أو عصاماً وحياته نهبٌ موصول بنهش وبينهما جُبن موصول بغشّ.. ولعلَّ من أجمل ما قيل في مطابقة الاسم لمسمّاه قول صفي الدين الحلِّي في مديحه آل البيت:
“لَهُم أَسامٍ سَوامٍ غَيرُ خافِيَةٍ
مِن أجلِها صارَ يُدعى الاسمُ بالعَلَمِ”
ولشاعر قوله:
“لعَمْرُك ما الأسماءُ إلاَّ علامةٌ
منارٌ ومِنْ خيرِ المنار ارتفاعُها”
وبعدُ، وقبلُ، وأبداً، فلو كان لكلّ امرئ من اسمه نصيبٌ، لو….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة