الفن والعمارة وتأثير البيئة في بلاد الرافدين

الفن والعمارة وتأثير البيئة في بلاد الرافدين

في كتاب شكل سفرا للحضارة منطلقا من بلاد الرافدين عبر تطور الفن والفكر, قدم د. جهاد الصالح كتابا مميزا لأسلافنا منذ النبي نوح الأب الثاني للبشرية بعد آدم عليه السلام, صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، قسم إلى أبواب تناولت التأريخ والتحليل للفن السامري كأبجدية إنسانية طارت إلى بقاع العالم, وشكلت لبنة الفن والهندسة والثقافة التي طورها الزمان, سمت الحياة المتجددة..

السومريون شعب عاش بين النهرين حوالي4000 ق م , بدأ بعصر أوروك في حين العصر الحجري الباليوليت كان (1500000 – 15000) ق م, وأهم المدن أريدو أوروك عاصمة سومر, ينبور مقر الأله إنليل,لارسا, كيش, أريدو, الأكادية,  الكوتيون,العموريون, الحثيون, الآشوريون.

وقد بدأت الروحانيات بالإله (أنو) الواحد للكون وابنته عشتار المشخصة بالكوكب السيار الزهرة عبر آلاف السنين, وثم ليترك مكانته للإله “أنليل” ليحل محله في عهد الملك حمورابي الإله “مردوخ”,علما أن الإله “نابو” هو ابنه بالوراثة الإلهية وهو الإله “إنكي”السومري, و”إيا” الأكادي إله المهن والتجارة والموسيقى, وكتب تمجيدا للإلهة على جدارية: “الثورة أعطاني إياها! الرخاء أعطاني إياه، أماكن السكن أعطاني إياه”  ومن الشعرية الدينية المنسوبة لجذور التوحيد والرسالات السماوية:

“لا تسبحوا الكواكب والأبراج لا تسبحوا للشمس والقمر، هذا هو الصوت الأقدم الذي وهبناه آدم أبا البشر, فسجد وسبح لملك الأنوار العلي الله سبحانه, ربنا تعالى, ملك الأنوار العلي..”.

وننتقل إلى الحضارة بتفاصيل العمارة كفن عناصره الطين واللبن المشوي والخزف, والخشب لصنع الأدوات والأكواخ, والحجر كتيجان للأعمدة النحتية, وانعكاس الثقافة ببناء السور الحامية, وإكساء الأكواخ من القصب لحمايتها والأسوار المحيطة بالزيقورة “المعبد” ببرج بابل.. وهو مربع هرمي مؤلف من سبع طوابق وذو سلالم خارجية كرمز للسماوات, وبألوانها فالقرمزي المريخ والفضي القمر, وفي أعلى البرج معبد إله بابل وشفيعها. وقد استعمل الطين في (النحت الناتئ ) التجريدي كعالم للأرواح وهو العالم الفني المتحرك “الأرابسك”, ومن أمثاله قصر سرجون الثاني 612 ق م, ومتحف بغداد نمرود 700 ق م, وبالحقيقة الفن بامتياز معرفة حدسية, كلوحات صيد الأسود وآلام قصة الموت والحياة التي مثلتها ملحمة جلجامش وقصة الإله موزي ابن الإله (أيا) الذي تغلب على الموت ليكون للحياة معنى له ولعباده المخلصين,وأسطورة الملك سرجون الأكادي.

المحيط الجغرافي تمثل بالعناصر الحامية مادية وحسية وهي الأسوار والأبراج والأبواب كخط دفاعي, والتماثيل واللوحات الفنية الجدارية لطرد الأرواح الشريرة وتوثيق الأفكار السرمدية والدينية، وقد تميزت الشرفات بالمثلثية المتدرجة كما في “باب عشتار” بما يرمز للمطلق بأسوار بابل تخترقه ثماني أبواب بأسماء الآلهة البابلية بارتفاع عشرين مترا، ذو برجين مزينين بالتنين والثور ورمز الإله أذار رب العواصف والأمطار, بني من القرميد المزجج وهو فن متآخ بفن الجامع الأموي وهي ناحية تثبت سفر فن التكوين الإنساني زمانا ومكانا. ويعتبر تمثال “عشتار المجنحة”  آلهة الحب والحرب واقفة فوق أسدها المقدس, الذي يتبعها في تحركاتها أبدا هو تشكيل تجريدي مفعم بالحركة، فأجنحتها رمز للطيران الثقافي والأسد القوة الدؤوب ص520 منحوتة: “شخصت عشتار إلى جماله، تعال يا جلجامش وكن عريسي، هبني ثمارك هدية، كن زوجا لي وأنا زوجا لك، سآمر لك بعربة من لازورد وذهب، عجلاتها من ذهب وقرنها من كهرمان..” وبالحقيقة يعتبر نوح الأب الثاني للبشرية إذ شكل منعطفا اجتماعيا واقتصاديا, إذ أن الزوارق كانت موجودة (7000) ق م, وهو أعد لنفسه سفينة ملكية, من سبع طوابق جلب لها من بلد الأرز الأخشاب لتكون صلة بين الشعوب.

الأفاريز والشبكة الهندسية ولها إيقاع يفضي إلى فن “الموزاييك” والتصديف على الرخام, وثم إلى الكتابة بالخزف, وتعود إلى 4000 ق م كصلة إنسانية ثقافية, ويؤخذ بناء الزيقورة أو (المعبد) قصر دور شاركين كمثال لهما أهمية الباثيو أو الفسحة الداخلية واعتماد المنافذ العالية كمسير للهواء لجلب الطاقة, ودورها الحامي في قصر سرجون البابلي.. ومن جدارية نقرأ: “يقول حواو الوحش إلى جلجامش، أطلقني يا جلجامش تكن لي سيدا, وأكن لك خادما، اصغ يا كوخ القصب, وتفكر يا جدار..”

لقد اعتمد “الفاخوري” الطين المشوي بما سمح بالإبداع الجمالي بالأواني والأختام, إلى النحت والتماثيل, وصياغة الحلي والآلات الموسيقية الرافدية.

مهنة النحت واللوحات الدينية لعالم التعبد والصلاة, وعالم الروح المحبة بصمتها الدفين, فالفن التجريدي ترميز فكري, كما يقول الشاعر دوبان: “الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد”.

لقد لخص الكاتب أصل العمل الفني الذي وظف العالم الحسي من أجل الروح ليتطلع إلى الجمال المطلق الله والنذر لصنيعته الحياة، واستدرج من 145 مرجعا قيما وموثقا كل ما يهم القارئ, صابغا برؤيته الخاصة ما أراد أن يوثقه من سرمدية الثقافة, تتغير الحضارات ولا يتغير الفحوى الروحي للإنسان المتعطش للجمال والمحبة المطلقة.

رجائي صرصر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة