شعر خلف بن خليفة (الأقطع).. حياة في كتاب

شعر خلف بن خليفة (الأقطع).. حياة في كتاب

كثيرة هي المراجع وكتب الجمع والتدوين والأشعار، التي فُقدت من المكتبة العربية عموما، منها ما تم حرقه، ومنها ما أضاعت السنين معانيه وشأن أصحابه، فذرته حتى الذكرى مع كثبان الرمال، وغيرها من الأساليب التي أدت لضياع هذا الإرث العظيم، خصوصا في العصور التي تلت العصر الجاهلي، وكنا أكدنا سابقا أن وصف عصر ما قبل الإسلام بالجاهلي، فيه ما فيه من الظلم وتسخيف القدر والقيمة لنتاج شعرائه وكُتابه، وكان قد عني علماء العربية ورجال صناعة الشعر في القرون الهجرية الأولى بجمع أشعار القبائل، لتكون بمثابة دافع قوي في خدمة اللسان العربي المبين.

جمع تلك الأشعار لم يقتصر على أسلوب أو طريقة واحدة، فمن العلماء من عكف على جمع أشعار شاعر بعينه، يتتبع مخارج روايته، ويتحرى الصدق فيما تم روايته عنه، ومنهم من صرف ثمين وقته في جمع شعر قبيلة بعينها أو بطن منها، ومن هؤلاء الذين سعوا لتحقيق هذا العمل: أبو عمرو بن العلاء -154ه-، المفضل الضبي -168ه-، أبو عمرو الشيباني-2-06 ه-الأصمعي -216 ه-وابن السكيت، وابن الأعرابي ومحمد بن حبيب وغيرهم.

المحزن والمحبط في الأمر، أن جل ما صنعه أولئك العلماء من دواوين القبائل، قد عدت عليه العوادي، وطوى الدهر ما طوى من ذخائرها ونفائسها، الشأن الذي كان له بالغ الأثر في ضياع العديد مما عمله الرواة ونقدة الشعر، إلا أن هذا الضياع لتلك الكتب، حرض وحرك همم العديد من الباحثين المعاصرين، لجمع ما تناثر في بطون كتب التراث ومنها: الاختيارات والتراجم، كتب السيرة، التأريخ والبلدان، وكتب الثقافة العامة، دراسات القصيدة العربية عموما، وشعر “خلف بن خليفة (الأقطع)- موضوع المقال- من ذاك الشعر الذي تناثر في العديد من الكتب وعلى ألسنة الرواة والرحالة، بعد أن أكد الكاتب “خليل محمد عبد العال”، أنه أثناء بحثه عن ما خلف الأقطع خلفه من أشعار، ضاع قسما منها مع ما ضاع من شعر قبيلة بكر بن وائل، وقد نقل ابن سلام في طبقاته ما يؤطر لهذا الشأن، حين قال: قال يونس، قال أبو عمرو بن العلاء: “ما انتهى إليكم مما قالت العرب، إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علما وشعرا كثيرا”، وهذا القول كما قلنا ورد في كتاب “طبقات فحول الشعراء”، والقول ينسحب بالضرورة على نتاج “الأقطع” الشعري، على اعتبار أن شعره هو واحد من شعر بكر بن وائل، وقد ضاع ما ضاع منه مع شعر قيس بن ثعلبة المجموع على عكسه.

لكن من هذا “الأقطع”؟ يجري مداد مؤلف الكتاب في الإجابة على هذا السؤال، فهو مولى قيس بن ثعلبة، وقد نسبه ابن عبد البر إلى قيس بن ثعلبة، ونسبه اليزيدي حنيفة، وكان البصري قد عدّه في حماسته من باهلة، وهو كما جاء في تلك المراجع، خلف بن خليفة الأقطع، شاعر أموي مطبوع، يظهر انتماءه إلى بكر بن وائل جليا في شعره ودفاعه عنهم، وفي افتخاره ببني شيبان منهم، ومدحه مسعدة البكري، وكان “البلاذري” قد أشار إلى انتمائه إلى قيس بن ثعلبة، فقال في معرض المهاجاة التي وقعت بين خلف والفرزدق: (لقي الفرزدق خلف بن خليفة الأقطع، من ولد قيس بن ثعلبة بن عكابة..”، أما عن سبب تسميته بـ “الأقطع”، فيعود إلى أنه كان سرق في صباه، فتم قطع يده، وكانت له أصابع من جلد يلبسها، وكان لسناً بذيئاً من الظرفاء، له العديد من الأخبار مع يزيد بن هبيرة، والفرزدق وآخرين.

لم يحدد الكتاب بدقة تاريخ ميلاده وموته، كحال الكثير من أهل ذاك الزمان، لكن الزركلي حدد تاريخ وفاته بنحو (125 ه) وهو تاريخ يجانب الصواب كما جاء في الكتاب، لأن خلفا امتد به العمر إلى ما بعد (129ه)، فقد ساق الطبري خبرا لخلفٍ يرثي فيه داود بن حاتم، الذي قتل بالمريان، على شاطئ الدجيل في تلك السنة، وهناك من يذهب للتأكيد بأن صاحبنا الأقطع أدرك السفاح، أول خلفاء بني العباس، وله خبر مع ذلك الخليفة الذي توفي (136 ه)، وقد ساقه ابن عبد ربه في العقد، حين أنشد لخلف العديد من أبيات شعره وذكر مناسبتها، مشيرا إلى قدوم وفد من بني أمية إلى السفاح، وقد أُخذوا بالسيوف والعمد، فأنشد خلف مدافعا عن قومه ومستشفعا لهم عند الخليفة.

يعتبر شعر الأقطع كما جاء وصف شعره عند الجاحظ بكونه (مطبوع)، وحدث أنه اعتبره من الشعراء المولودين المطبوعين، فقال: “والمطبوعون على الشعر من المولدين: بشار العقيلي، والسيد الحميري، وأبو العتاهية، ويحيى بن نوفل وخلف الأقطع وغيرهم”.

تعددت أغراض الشعر عند الأقطع كما الحال عند معظم الشعراء، بين الهجاء والمدح والفخر والتكسب، مطوعا لسانه وظرافة شخصه في ذلك، وحدث أنه قد جال أيضا بالسياسة، فدخل على الأمراء والخلفاء منشدا إياهم الشعر، مستعطفا حينا، ومستشفعا أحيانا، وبدا جليا ميله إلى الأمويين في غير مناسبة.

الكتاب الذي أصدرته الهيئة العامة السورية للكتاب، يُقدم العديد من الأمثلة والأذكار الممتعة والمفيدة، كما أنه يقدم بمرونة جانبا من الحياة العامة في ذلك الوقت، من خلال تقديمه لحياة “خلف بن خليفة –الأقطع” عنوان الكتاب، وفيه الكثير أيضا من الأخبار والمرويات التي لا توجد إلا بعد بحث وعناء في الجمع ولم شمل القصيدة مع صاحبها، ورغم أن الكاتب اختار شاعرا للتبحر في حياته وشعره، إلا أنه أيضا جاء على ذكر أمثلة وقصص شيقة ومفيدة في تتبع أخبار أهل ذلك الوقت، وما كان لهم وعليهم، سواء في الحياة الاجتماعية، أو في تلك الحياة التي اقتصرت على الشعراء، باعتبارهم من أهل مجالس الأنس والظرافة عند ذلك الحاكم أو غيره.

تمّام علي بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة