النهوض القومي يُسقط الربيع الصهيوني

النهوض القومي يُسقط الربيع الصهيوني

كثيراً ما كنا نتردد في كتاباتنا وأحاديثنا حين محاولة الاتفاق على تعبير أو مسمّى للأحداث التي يمرّ بها الوطن العربي من أواخر عام 2010 حتى اليوم، فعرفت السرديات السياسية والإعلامية مسمّيات عدة أو مصطلحات منها: المشهد الاحتجاجي، العصابات المسلحة، الربيع العربي… إلخ، والأخير غالباً ما كنّا نحتاج معه إلى مفردة “ما يسمّى بـ” أو نضعها بين قوسين. اليوم لم نعد نحتاج مثل ذلك.
فمع المآلات الأخيرة ومنها اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، وبقرار ذلك الكيان ضم الجولان، وصولاً إلى صفقة القرن، صار واضحاً أنه لم يعد هناك إشكالية في التسمية المناسبة والواقعية والتي يجب أن يتفق عليها الوطنيون والعروبيون جميعاً ألا وهي: الربيع الصهيوني.
إن الاتفاق على تعميم التسمية يعني وعياً واقعياً ومعرفياً وسياسياً ووطنياً وقومياً وأخلاقياً مطابقاً للحقيقة، وهو بمثابة دعم وتعزيز للشعور وللمشروع القومي العروبي. هذا الوعي كفيلٌ بالخلاص من نتائج الدمار في البنى الفوقية والتحتية التي حلَّت بالأقطار وبالأمة العربية على مختلف المستويات، وداعمٌ للصمود وللمضي قدماً في إعادة الإعمار والبناء المعنوية والمادية المنشودة بعد كل هذا الدمار والخراب الذي كان ولايزال واضحاً فيه البعد الصهيوني قبل أي شيء آخر.
ولعل بعضنا يقول: عن أي نهوض نتحدث، وأين المشروع القومي، ومن هم حَمَلة أفكاره في هذا الواقع المرير؟!، وما هي مؤشرات وجوده حيّاً أيضاً مع هذا الاتجاه الطالع نحو التطبيع السافر والوقح؟.
لا شك في أن تلك تساؤلات حاضرة، ومشروعة، وليست منقطعة عن الواقع، لكن بالمقابل الإجابة عن هذه التساؤلات حاضرة أيضاً، ومؤشرات وجودها وفعلها، ومنعكساتها حقيقة وصادقة وملموسة، وفاعلة أيضاً، وهي ليست بشذرات خافتة مبعثرة هنا وهناك، ومنها:
– مع الانتصارات التي يحققها صمود سورية قائداً وشعباً وجيشاً لم يعد القوميون العرب يشعرون باليُتْمِ كتهمة طالما طالتهم في العقود الأخيرة.
– مع تأكيد تعاون العصابات الإرهابية المسلّحة، أو المعارضة المرتزقة مع الكيان الصهيوني ترسّخ شعور جمعي بأن هكذا عصابات وهكذا معارضة مُدانة ومرفوضة شعبياً لأنها جزء من المؤامرة التي تستهدف الوطن والأمة.
– إن إعلان صفقة القرن وما أحاط بها من اعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، وبقرار ضم الجولان، وصولاً إلى اجتماع البحرين، كل ذلك لم يُكتف معه بالفشل الذريع فقط، بل نجم عنه ردة فعل مقابلة تؤكد أن ربّ ضارة نافعة.
– إن محاولات تعويم التطبيع القليلة البائسة لم تؤدِ هدفها، بل قوبلت بردة فعل أيضاً أصابت الطرفين بالذل والخزي وفشل الرهان على استمرار هكذا محاولات، ولا سيما ما لاحظناه في الشارع العربي من تنديد واستهزاء، وتصميم على رفض التطبيع الذي صار طرفاه بين المطرقة والسندان.
– هذا جميعه وطّد حضور المقاومة ثقافة ونهجاً، فازدادت القناعة بأنها السبيل الداعم والرديف لحالة النهوض القومي ما دفع مثلاً السلطة الفلسطينية إلى تشكيل لجنة لتنفيذ وقف العمل بالاتفاقيات مع الكيان الصهيوني ولا شك أن الأهم في ذلك ما نجم عن اتفاق أوسلو وما يتصل بذلك تحديداً من ترتيبات أمنية لم تعد مقبولة، وهذا ما يجعل الشعب أو الشارع العربي في الأردن ومصر ينظران إلى اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة بالمنظار نفسه.
– أكد هذا أن الشعور القومي العربي حي ومتجدد، وأن التطبيع السياسي ضعيف ولا يُراهن عليه أمام قوة العوامل “الجامعة والموحّدة” الثقافية واللغوية والتاريخية والروحية عند العرب المسلمين والمسيحيين. هذه القوة التي أرهقت وسترهق باستمرار أي مشروع استراتيجي للتحالف الصهيوأطلسي الرجعي العربي.
من هذا القبيل كان تأكيد الرفيق الأمين العام للحزب السيد الرئيس بشار الأسد في لقائه مع الرفاق الشباب أن المنتصر في الميدان هو المنتصر في الأفكار أيضاً، وذلك في مَعرِض توضيح سيادته “الأنموذج القومي العروبي الجاذب على امتداد ساحات الوطن والأمة”.
والحقيقة هي أن القوميين العرب كانوا ولايزالون في الشارع العربي دعاة أنقياء، وروّاداً وأصحاب رسالة أصيلة وواعدة لا تذروها رياح الأيام الحارّة، ومعهم ومع المشروع المقاوم يجني المتفائل ثمار النصر، لأن المشروع القومي ضمان للحياة الوطنية الراسخة والمستقرة، ولأن النواح على العروبة وعلى القضية المركزية، وعلى العقائدية، وعلى وحدة الشعب والأمة لا يفيد، وهو ساقط ولا يراهن عليه بعد هذا الصمود الوطني العروبي التاريخي الذي اجترحته سورية.. إنها سردية ستقبلها بل ستنشدها الأجيال الطالعة.
د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة