عبق “الوردة الشامية” يبدد دخان البارود في سورية

إنها “أغلى من الذهب وأبقى من النفط”، بهذه العبارة يصف السوريون “الوردة الشامية”، التي تتميز بفوائد طبية وعطرية وغذائية وتجميلية كبيرة، وتصنع طقسا اجتماعيا بديعا أيام قطافها، ما حفز الشعراء والأدباء على التغني بها قديما وحديثا.

وبالنسبة إلى رولا علي أديب صاحبة شركة “بيوشام” لاستخراج زيت الوردة الشامية، فتعتبر هذه الزهور بمثابة شريان للحياة ورمز للوطن الأم، وأيضا جسر بينها وبين السوق الصينية الهائلة. وفي مكتبها بالعاصمة السورية دمشق، سجلت سيدة الأعمال البالغة من العمر 55 عاما اسمها للمشاركة في الدورة الثانية من معرض الصين الدولي للواردات (إكسبو شانغهاي) المقرر إقامته في شانغهاي في تشرين الثاني من العام الجاري. وكانت رولا قد شاركت في الدورة الأولى من المعرض في العام الماضي والتي تعرفت خلالها على مجموعة كبيرة من التجار الصينيين، ومازالت تحتفظ بتميمة المعرض وصورا شخصية تذكارية لها أثناء مشاركتها فيه.

في عام 2000، أسست رولا “بيوشام” وهي شركة متخصصة في استخراج الخلاصات والزيوت الأساسية من الأزهار والأعشاب العطرية بطريقة التقطير، ومن أهم منتجاتها زيت الوردة الدمشقية، وزيت الخزامى، والصابون، وإكليل الجبل، والبابونج، وغيرها من المنتجات الطبيعية. واستذكرت رولا أن بساتين شركتها كانت في السنوات الثماني الماضية على حافة نيران الاشتباكات وتعرضت لمحنة شديدة نتيجة هذا الوضع الصعب.

في بداية عام 2011، وقبل فترة وجيزة من اندلاع الاضطرابات في جنوب البلاد، كانت رولا منهمكة في ترتيب منتجاتها من الخلاصات والزيوت الأساسية على الأرفف واستقبال ضيوف قدموا وهم في غاية السعادة لحضور حدث متعلق بالزهور والنباتات العطرية أقيم في مزرعتها، حيث تجاذبت معهم أطراف الحديث وقالوا لها “نراك في العام المقبل!” ولكن “العام المقبل” لم يأت على النحو الذي كانت تتوقعه رولا. وبالإضافة إلى الاشتباكات العسكرية، فإن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فيما بعد زادت من شدة الصعوبات الاقتصادية في سورية ووجهت ضربة قوية لسوق السياحة، ما شكل تحديات كبيرة أمام أنشطة عملها.

وألمحت إلى أن معمل شركتها كان موجودا في منطقة خطرة أثناء الحرب حيث كان هناك تواجد للجيش خارج المعمل من إحدى الجهات وتواجد لمسلحين من الجهة الأخرى، لذلك كان يحدث انقطاع للعمل ثم العودة إلى مزاولته مجددا، وتوالت فترات الانقطاع والعودة عدة مرات، ولكن في النهاية استطاعت الشركة مواصلة العمل بوتيرة جيدة.

ومع انخفاض مساحة البساتين المزروعة بالوردة الشامية من 4000 دونم قبل اندلاع الحرب إلى حوالي 2000 دونم، انخفض إنتاجها بواقع النصف. وتراجع الطلب على زيت الوردة الشامية، الذي كان يصدر إلى أوروبا ودول الخليج، بسبب ارتفاع تكلفة المواد الخام ومن ثم انخفضت الأرباح. وخلال عدة سنوات، أغلقت مجموعة كبيرة من ورش العمل الصغيرة في هذه الصناعة أبوابها.

ولكن في عام 2017، أصبح تزايد الطلب من الصين مصدرا لإيرادات شركة رولا، ما جعل الشركة تدرك الإمكانات الهائلة للسوق الصينية. وفي عام 2018، سجلت اسمها للمشاركة في معرض الصين الدولي للصادرات في شانغهاي (إكسبو شانغهاي) بمجرد أن علمت به. وقالت إن “سوق الصين من الممكن أن تستقبل جزءا كبيرا من أعمالنا، وثمة مؤشرات على أنها يمكن أيضا أن تستهلك 50 في المائة من إنتاج معملنا، لذلك نركز على هذه السوق واشتركنا في معرض جديد أقيم في الصين متخصص في الأساس في مجال الزراعة”.

وفتح معرض (إكسبو شانغهاي) بابا جديدا للشركة. فخلال فترة المعرض التي استمرت خمسة أيام، حرصت العشرات من المؤسسات العاملة في مجال الصحة والجمال على تعزيز وسائل التواصل مع رولا، بل وطلب أحد العملاء منها عشرات الآلاف من عينات المنتجات.

وبعد اختتام المعرض، نقلت رولا مجموعة من منتجاتها إلى مركز “غرينلاند العالمي للسلع التجارية” الكائن بجوار المركز الوطني للمعارض والمؤتمرات بشانغهاي. وقالت السيدة الصينية جولي دونغ، شريكة رولا في العمل، إنها تعرض الخلاصات الطبيعية والزيوت التي تنتجها بيوشام جنبا إلى جنب منتجات سورية أخرى مثل زيت الزيتون والصابون والأشغال اليدوية في القسم الخاص بالمنتجات السورية المستوردة.

وفي نهاية شهر نيسان من هذا العام، افتتح معرض بكين الدولي للبستنة 2019، ومن داخل الجناح الوطني السوري بالمعرض ينبعث العطر الزهري الخافت من زيت الورد النقي الذي أنتجته رولا. وقالت السيدة دونغ، المسؤولة عن الجناح السوري، إن “مستخلصات الورد لا تعرض إلا هنا، ولم أتوقع أنها ستلقى هذا القدر من الإقبال حتى أن بعض السائحين جاؤوا خصيصا إلى جناحنا لشرائها”، مضيفة أنها تبيع حوالي 30 و40 زجاجة يوميا.

ورغم تحسن الوضع الأمني في سورية، إلا أن العقوبات الاقتصادية الغربية مازالت مفروضة على هذا البلد الشرق أوسطي، ومن هنا جاءت “رغبتا في فتح أسواقنا في الخارج تجاه دول صديقة مثل الصين وروسيا، وأصبح هذا أهم شيء نسعى لتحقيقه”، حسبما قالت رولا.

في الواقع، أتاحت المشاركة في الدورة الأولى من معرض (إكسبو شانغهاي) لرولا معرفة المزيد عن السوق الصينية، وتعمل شركتها في الوقت الحالي على صناعة منتجات جديدة للعناية بالجمال والبشرة مثل الشامبو وغسول الاستحمام.

“لدي شعور كبير بالتفاؤل تجاه المنتجات الجديدة”، هكذا قالت دونغ المتزوجة من سوري، والتي صادف حملها بطفلها الأول بعد الدورة الأولى من المعرض وستنجبه قبل الدورة الثانية. وأعربت دونغ عن ثقتها بأن طفلها وأسرتها وعملها مع صديقتها رولا والشركات السورية سيحتضنون عصرا متألقا جديدا في المستقبل القريب.

عن وكالة “شينخوا”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى