كيف دعمت وسائل الإعلام الغربية إرهاب الدولة الأمريكية

كيف دعمت وسائل الإعلام الغربية إرهاب الدولة الأمريكية

 

هيفاء علي

يحفل التاريخ بالأمثلة والشواهد على إرهاب الدولة الذي مارسته الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدى عقود، لفرض هيمنتها على موارد وثروات العالم. وكانت وسائل الإعلام الكبرى الداعم القوي لها في تنظيم حملات تضليل مكثفة لشيطنة قادة الدول الأخرى وتلطيخ صورتهم لتبرير العدوان عليها.
عندما تحدث نعوم تشومسكي للمرة الأولى عن هجوم الولايات المتحدة على فيتنام الجنوبية، سلط الضوء فقط على مثال مهم إزاء توافق وسائل الإعلام في ذلك الوقت ، ألا وهو أن الغرب عمد على قتال الشيوعيين في الشمال للدفاع عن سايغون . في نهاية الحرب سقطت ثلثا القنابل الأمريكية أي ضعف العدد الإجمالي الذي سقط خلال الحرب العالمية الثانية على الجنوب، ما دفع المؤرخ العسكري برنارد فال – الذي آمن بوجود الولايات المتحدة على الفور للإعلان أن فيتنام ككيان ثقافي وتاريخي مهدد بالانقراض لأن الريف يموت تحت ضربات أكبر آلة عسكرية على منطقة من هذا الحجم. ومع ذلك، اعتبرت وسائل الإعلام الرئيسية تصرفات الولايات المتحدة في فيتنام “قضية نبيلة” كان يمكن كسبها بمزيد من التفاني، وكما هي العاصفة اجتاحت الحرب كل شيء: فيتنام وكمبوديا ولاوس وحتى برنارد فال نفسه الذي قتل بلغم.

تيمور الشرقية
عندما غزت اندونيسيا تيمور الشرقية في عام 1975 ، كان تشومسكي والكاتب إدوارد اس. هيرمان لوحدهما عندما التمسا أن هجوماً قد وقع. خلفت الغارات الجوية وعمليات الإعدام الجماعية والمجاعة القسرية 200 ألف قتيل ، لكن وسائل إعلام الاحتلال الأمريكي تجاهلتها ولم تقم بتغطيتها. بينما انخفض عدد التقارير عن تيمور الشرقية في الصحف الكندية بعد الغزو واختفت فعلياً عندما بلغت الذروة عام 1978، باستثناء عدد قليل من الأفلام التي تم منعها. فيما بعد اعترف ضابط في المخابرات المركزية أن الرئيس الاندونيسي سوهارتو أعطى الضوء الأخضر للولايات المتحدة كي تشن الهجوم على تيمور الشرقية، فيما قدمت له واشنطن الدعم اللوجستي والعسكري بدعم كامل من الغرب الضالع في ارتكاب إبادة جماعية. و عندما بدأت الفظائع بالظهور في تقارير وكالة المخابرات المركزية، سارعت لإخفائها لأطول فترة ممكنة.
على مدى السنوات العشر الماضية، تبين أن أعداء الغرب لا يزالون يمثلون بشكل مختلف تماماً عن حلفائهم عصر الحرب الباردة في جنوب فيتنام واندونيسيا، بينما ترتكب الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل فظائع بحق البشرية تتستر عليها وسائل الإعلام الغربية الكبرى.

بعض الانقلابات الباردة
عملت وسائل الإعلام الغربية على شيطنة فنزويلا باعتبارها “دكتاتورية اشتراكية” منذ الانتخابات الرئاسية التي أجراها هوغو تشافيز عام 1998. على سبيل المثال، بعد الانقلاب الذي وقع في فنزويلا عام 2002، دعمت صحيفة نيويورك تايمز دكتاتورية قصيرة الأجل تدعمها الولايات المتحدة باعتبارها “مظهراً جديداً للديمقراطية”. وواصلت الصحافة السائدة، إضافة إلى بث بعض ألعاب الفيديو المرعبة – الدعوة إلى انقلاب جديد ضد نيكولاس مادورو، الذي تم انتخابه ديمقراطياً رئيساً عام 2013 ، بذريعة سوء إدارته الاقتصادية.
عندما دعا السياسي المعارض خوان غوايدو الجيش الفنزويلي للإطاحة بمادورو في 30 نيسان 2019 ، كانت وسائل الإعلام الغربية مترددة في وصف هذه الدعوة بأنها محاولة انقلاب، بل على العكس لم يعارض أي من كبار المسؤولين الأمريكيين محاولة الانقلاب هذه ووصفوها بأنها” تحدي من قبل المعارضة وبدعم الجيش”.
وسائل الإعلام الرئيسة هللت واحتفلت بالعقوبات الأمريكية البريطانية الجديدة، حتى مع تفاقم الأزمة، ومنعت الولايات المتحدة تصدير الأنسولين وآلات غسيل الكلى والأدوية الخاصة بالسرطان والإيدز، بما في ذلك الأدوية التي دفعت فنزويلا ثمنها بالفعل. هذه العقوبات الجائرة تسببت بموت 40 ألف فنزويلي وفقاً لتقرير صادر عن كبار الاقتصاديين في مركز البحوث الاقتصادية والسياسية ومقره واشنطن.
فنزويلا ليست هي الاستثناء بل القاعدة. في شباط 2011 ، عندما اندلع النزاع بين الحكومة الليبية وجماعات المعارضة، وصفت وسائل الإعلام الأمريكية تصرفات الحكومة الليبية بأنها جرائم عشوائية تأمر بها أعلى مستويات الحكومة. ومع ذلك ، اتضح أن قوات الأمن الليبية لم تستهدف المحتجين بشكل عشوائي بعد كل شيء ، كما أكد مجلس العموم البريطاني لاحقاً.
أن الغرب الذي يزعم محاربة الأصوليين المتطرفين، أقام تحالفاً قوياً مع السعودية، مهد الوهابية وانتهاك حقوق الإنسان، والتي تسبب عدوانها الوحشي ضد الشعب اليمني بأسوأ أزمة إنسانية في العالم. في الوقت نفسه، خلصت المخابرات الأمريكية إلى أن الديكتاتور السعودي أمر بقتل جمال خاشقجي، إلا أن هذا لم يمنع استمرار إبرام صفقات الأسلحة من قبل بريطانيا وفرنسا مع مملكة آل سعود رغم تعالي الأصوات المطالبة بوقف تزويدها بالأسلحة الفتاكة.
ثم هناك “روسيا غيت” التي تم التسويق لها من قبل الديمقراطيين الأمريكيين لفترة طويلة، والتي تزعم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسيطر سراً على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن طريق التهديد بالكشف عن أسراره، وأنه تدخل في وسائل الإعلام للتلاعب في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016.
ووفقاً لموقع فيسبوك، أنفقت وكالة أبحاث الإنترنت الروسية، حوالي 100000 دولار على إعلانات فيسبوك خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، فيما أنفقت حملات هيلاري كلينتون ودونالد ترامب على فيسبوك 81 مليون دولار . ما دفع المختصون في مجال الاتصالات إلى التنويه بالدور الكبير والتأثير السياسي الكبير لفيسبوك من حيث نتائج الانتخابات. لقد أثارت قصة “روسيا غيت” حرباً باردة جديدة إضافةً إلى أن الهوس الإعلامي بروسيا صرف الانتباه عن أعمال أكثر خطورة يقوم بها ترامب حول قضايا التغير المناخي والحق في الإجهاض، والإعفاءات الضريبة.
القضية الأكثر إثارة هي حالة العراق وفشل أسلحة الدمار الشامل. تُظهر الدراسات المهمة حول التغطية الإعلامية للحرب في العراق من قبل الولايات المتحدة والإعلام البريطاني أنها تعكس آراء النخب السياسية والعسكرية. وعليه، كان من الصعب أن يشكل الغزو الأمريكي للعراق في أذهان وسائل الإعلام الجريمة الدولية العليا في القانون الدولي. ومع ذلك ، كانت الكاميرات تدور عندما كان غزو عام 2003 بمثابة بداية لحملة شرسة استهدفت مئات الآلاف من الضحايا المدنيين.

تضليل فظيع حول سورية
وبالمثل، تمت تغطية الحرب على سورية بطريقة مضللة للغاية حيث طغت الأخبار المفبركة والتقارير المزيفة والأحادية على الأخبار في وسائل الإعلام الغربية بشكل غير مسبوق منذ الحرب العالمية الأولى. لإضافة مثال آخر: تم تكليف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بإجراء تحقيق حول مزاعم وقوع هجمات كيماوية في النزاع السوري.
في عام 2019 ، كشف مخبرون مجهولون من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن معلومات مهمة حول عملية تقصي الحقائق، وأشارت هذه التسريبات إلى “مجموعة العمل المعنية بسورية الدعاية والإعلام” ومقرها المملكة المتحدة، و إلى أن الأمانة الفنية تقع تحت تأثير تحالف الدول بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وأوضحوا أن بعض تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استبعدت أو تجاهلت عناصر إثبات وأدلة راسخة بأن الهجمات الكيميائية المزعومة تمت فبركتها وتمثيلها من قبل “الإرهابيين” الذين فبركوا الفظائع لتحريض الغرب على التدخل العسكري تحت مسمى “الإنساني” في سورية. ومع ذلك شنت فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا سلسلة من الضربات على مواقع مدنية وحكومية “عقوبة” على الهجمات المزعومة. بالمقابل، شغلت قصة التسريبات اهتمام وسائل الإعلام المستقلة، أما وسائل الإعلام الكبرى فلم تعرها الكثير من الاهتمام.
مثال آخر على كشف التضليل الإعلامي الذي مارسته وسائل الإعلام تلك: في بداية 2011 ، قبل الاضطرابات في درعا، كل شيء كان هادئاً في سورية في الوقت الذي كان فيه العالم العربي يغلي ويشهد ثورات غاضبة. أثار هذا الهدوء السوري قلق وسائل الإعلام الغربية التي أخذت تتساءل: لماذا اندلعت المظاهرات في تونس ومصر وليبيا ولم يحدث شيء في سورية؟ وسرعان ما طلبت نيويورك تايمز و مجلة التايم من صحفييها إيجاد الأجوبة بأقصى سرعة فكانت الإجابات التالية: كل شيء هادئ في سورية لأن الحكومة تحظى بدعم شعبي كبير، و كل شيء هادئ في سورية لأنه حتى المنتقدين للسلطة يعترفون بأن الرئيس بشار الأسد يتمتع بشعبية كبيرة.، ولأن الرئيس الأسد نجح في جعل نفسه محبوباً من قبل الشعب، خاصة من قبل شريحة الشباب، وهي شريحة بالغة في الأهمية و يجب التعويل عليها في حال اندلاع تمرد ما، و كل شيء هادئ لأن كل المحاولات الرامية لتنظيم احتجاجات ومظاهرات باءت بالفشل، لأن السوريين لم يشعروا بالحاجة إلى التظاهر ضد حكومتهم. وعند البحث عن المقالات التي كتبت عن سورية في النيويورك تايمز والتايم في شهري شباط وآذار 2011 نجد أنها حملت في سياقها هذه الإجابات: لا وجود لثورة شعبية في سورية.
في منتصف آذار 2011، شهدت مدينة درعا اضطرابات عنيفة شوهد فيها متظاهرون مسلحون قاموا باستهداف عناصر الأمن و إحراق المباني الحكومية وسيارات الشرطة. حتى أن السلطات الأمريكية اعترفت بأن المتظاهرين لم يكونوا سلميين وأن معظمهم كان يحمل السلاح، وذلك بحسب ما أوردت نيويورك تايمز. في الرواية التي تم تطويرها حول أسباب وجذور الصراع بعد عام 2010 ، سنجد أن “معظم المتظاهرين كانوا سلميين”، لإيهام الرأي العام العالمي بكل بساطة أن المظاهرات كانت سلمية. ولكن في هذا الوقت ذاته لم تر النيويورك تايمز ولا الناطقون باسم الإدارة الأمريكية المظاهرات سلمية بل اعترفوا أنها كانت عنيفة ومسلحة. بعد أسبوع على هيجان العنف في درعا، أوردت مجلة التايم في أحد مقالاتها حول سورية ما يلي: ” يبدو أنه ليس هناك دعوات على نطاق واسع لقلب أو تغيير أو استبدال نظام الحكم أو الرئيس السوري الذي يتمتع بشعبية واسعة”. ما يناقض ويدحض الرواية الكاذبة التي تم تسويقها وتبنيها فيما بعد. وبعد مرور شهر على بداية العنف في درعا، كتب انطوني شديد في نيويورك تايمز يقول:” تبدو المظاهرات التي تشهدها بعض المناطق في سورية بعيدة كل البعد عن أن تكون انتفاضة شعبية كالتي ميزت الثورات في مصر وتونس”. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مجلة التايم أشارت في تقاريرها إلى أن الإسلام المتطرف له دور كبير في الاحتجاجات السورية، وهنا نعرض الوصف كما جاء فيها: ” اضطرابات أهلية أضرمها إسلاميون متطرفون منذ أعوام 1960- عصابات إسلامية منذ عام 1970 بلغت الذروة عام 1982 بسيطرتها على مدينة حماه- البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي يعقدون لقاءات عديدة مع إسلاميين سوريين انطلاقاً من عام 2006 بعدما عزفت واشنطن عن خطتها المتعلقة بتدخل عسكري مباشر في سورية”.
ضمن نفس السياق، وفي العام 2012 ، كشف أحد أفرع السي اي إيه النقاب عن أن هذه “الثورة “إسلامية متطرفة يديرها ويحركها الإخوان المسلمون والقاعدة في العراق التي “بشرت” بقدوم “داعش”. هكذا بدأت الإشارات والدلائل تتوافر بكثرة وتؤكد أن الحراك لم يكن يوماً علمانياً سلمياً أو اندلع من أجل ديمقراطية ليبرالية، وإنما ما يجري منذ اليوم الأول ما هو إلا إنعاش و استئناف حرب قديمة أضرمت نيرانها منذ عقود بين الإسلاميين والعلمانيين، ويحظى فيها الإسلاميون بدعم الولايات المتحدة وحلفائها، حتى أن وكالة الاستخبارات الأمريكية نفسها اعترفت بأن المتمردين يتلقون الدعم المادي والمعنوي واللوجستي من قبل الغرب وممالك الخليج وتركيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة