في حضرة الظروف الصعبة هواجس شبابية تؤجل مشاريع الزواج.. والمعاناة المعيشية تعوق تأسيس أسرة !!

في حضرة الظروف الصعبة هواجس شبابية تؤجل مشاريع الزواج.. والمعاناة المعيشية تعوق تأسيس أسرة !!

 

لا أقدر على تحمّل فكرة إنجاب طفل في مثل هذه الظروف الصعبة حتى لو “فاتني القطار”، كما يقال عندنا ، هذا الموضوع أصبح من أصعب القرارات التي من الممكن أن تتخذ في هذا الوقت، وربما من أكثرها مشقة وحساسية لما له من تبعات فيما بعد، إضافة إلى أنه بات في قائمة المشاريع المؤجلة لآلاف الشباب السوريين.. بتنهيدة وحزن بدأت رنا حديثها معنا عن إمكانية تأسيس أسرة، مضيفة: نعم أخشى حقاً فكرة إنجاب طفل، الأمر ليس بهذه السهولة والبساطة، فهو يحتاج إلى تخطيط ووضع برنامج والسير بخطواته بكل دقة، لأن الحرب وظروفها الصعبة وتبعاتها أكثر وأكبر من قدرتنا على تحمّل النتائج غير المرضية التي قد تنتج عن تأسيس أسرة.

تأسيس أسرة
نعم، تأسيس أسرة هو أمر ضروري في مجتمعاتنا، ولا يمكننا أن ننكر الوظيفة الإنجابية للمرأة التي تعتبر من أهم وظائفها التي منحتها إياها الطبيعة، ومن أهم أدوارها، ولكن يبقى السؤال الصعب: هل تستطيع تأسيس عائلة في مثل هذه الظروف؟ وهل الحل بالاعتكاف عن هذا الأمر، أو السير به مهما كان الطريق شاقاً، والصعوبات كبيرة؟.. سهير، سيدة ثلاثينية موظفة في جامعة دمشق، تقول: العادات والتقاليد عندنا تلصق دور الأم للأنثى منذ ولادتها، فترى الجميع يبارك ويقول للأم: “انشالله بتشوفيها عروس”، ربما هو حلم معظم الفتيات أن يكن أمهات، ولكن أنا من خلال تجارب صديقات ومقربات مني، بات هذا الأمر يخيفني ويجعلني في حالة قلق دائم، خاصة أن الراتب الذي أتقاضاه، على الرغم من وجودي مع عائلتي، يكاد لا يكفي “مواصلات”، كيف يمكنك تأسيس أسرة وتربية طفل في ظل هذه الظروف؟!.

أمومة ولكن؟
أسباب وهواجس أخرى تدفع “مرام”، موظفة الاستقبال في أحد الفنادق الموجودة في قلب العاصمة، للعزوف عن الزواج على الأقل في الخمس سنوات القادمة كما وضحت، فهي الآن تحسب سنوات عمرها يوماً بيوم، وينتابها الخوف والقلق من عدم الزواج، خاصة أنها تتعرّض لضغوط كبيرة من قبل أهلها الذين يصرون على أن تتزوج حتى ولو كان الشخص غير مناسب على حد قولها: أبلغ اليوم ستة وعشرين عاماً، تخرجت في المعهد الفندقي منذ أربع سنوات، ولم أحصل على عمل إلا منذ عام تقريباً بعد أن تحسن الوضع الأمني، وتحررت الغوطة، وارتاحت العاصمة من القذائف، ما مكنني من الحصول على عمل مناسب إلى حد ما براتب مقبول، ولكن معاناتي هي بالارتفاع الجنوني لتكاليف المعيشة، وعدم تناسبها مع الراتب الذي أتقاضاه، عملنا يتطلب الكثير من الاهتمام بالمظهر، أضف إلى ذلك المواصلات، وغيرها الكثير من التكاليف والالتزامات التي لابد من تسديدها، ما يجعل فكرة الإقدام على الزواج في الوقت الحاضر من الأمور المستحيلة، طفل واحد يحتاج إلى مئات آلاف الليرات، هذا ولم نتحدث بعد عن عدم جودة التعليم، وارتفاع تكاليف التعليم الخاص بشكل يفوق قدرة أي منا على تحمّلها، أحياناً أقول إنه يتوجب عليّ الاختيار فإما أن أتزوج وأحقق حلمي في الأمومة، أو أتابع حياتي كما هي، وهذا ما يجعلني في حيرة وتشتت دائم.
تعقيدات
مشاكل، وعدم استقرار، وانهيار للكثير من الأسر، واختلاف وتباين آراء المجتمع، وفي مقدمتهم الشباب، عن جدوى تأسيس أسرة، والاستمرار في بناء مؤسسة تعتبر من أهم المؤسسات التي يقوم عليها المجتمع، فهي اللبنة الأولى نحو مجتمع متماسك محصّن من المشاكل والانقسامات، سارة وعبد الرحمن تزوجا منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهما حتى هذه اللحظة يؤجلان فكرة إنجاب طفل لأسباب على رأسها الظروف المادية الصعبة التي يعيشانها، والتي تشبه ظروف معظم السوريين، عبد الرحمن يعمل في إحدى المكتبات الموجودة في منطقة “الحلبوني”، تحدث عن قصة حب جمعته بزوجته عن طريق الفيسبوك، حيث قررا الزواج، ولأنه لم يستطع تأمين منزل اضطرا للسكن مع أهله بعد أن أجّلا زواجهما مدة أربع سنوات، فوصلا إلى نتيجة مفادها أن إمكانية الحصول على بيت مستحيلة، يضيف: نحن اليوم نؤجل إنجاب طفل، ولكن لا أعلم إلى متى سنتمكن من تأجيل هذا الموضوع، خاصة مع حدوث مشاكل بيني وبين زوجتي في الآونة الأخيرة.

تجاهل
رهف، أم لطفلين، وصلت إلى نتيجة وهي أنه علينا “التطنيش” وتجاهل الظروف، مضيفة: رغم وضعي الصعب، ومعرفتي المسبقة بالصعوبات التي سأواجهها، ولكن قررت أنا وزوجي إنجاب طفلين، دائماً يجب أن يكون لدينا أمل بالمستقبل وإلا ستكون الحياة غاية في الصعوبة، إحدى صديقاتي، وهي تحضر لرسالة الدكتوراه، ترفض فكرة الزواج في هذه الظروف بشكل مطلق، وتتحدث دائماً عن إمكانية تبني طفل أو أكثر حتى لو كانت هناك عقبات كثيرة ستواجهها.

مشكلات اجتماعية
في دورة الحياة، وتحديداً في الحروب، هناك الكثير من المفاهيم والقناعات تتغير وتتبدل، وقوانين تفرض، وهذا ربما يحدث في مجتمعنا، خاصة بعد ما عانيناه ومازلنا من حرب قاسية فرضت شروطاً، ونسفت قيماً، ووضعت قيماً أخرى، لذلك لابد من أخذ هذا الموضوع على قدر أكبر من المسؤولية من قبل الجهات المعنية، لأننا إذا استمرينا بعدم الاكتراث أكثر سنكون مقبلين على مشكلات اجتماعية خطيرة جداً لن نتمكن من تجاوزها بسهولة.

لينا عدرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة