للحرب لون آخر.. “طابقان في عدرا العمالية” شاهدة على الحرب!!

للحرب لون آخر.. “طابقان في عدرا العمالية” شاهدة على الحرب!!

في محاولة لرصد التحولات الاجتماعية والفكرية والنفسية لعدد من الشخصيات التي كانت تعيش بوئام وسلام في ضاحية عدرا وما تركته الحرب على سورية من آثار سلبية أو إيجابية على حياتها، جاءت رواية “طابقان في عدرا العمالية” لكاتبها صفوان إبراهيم لتكون الشاهد على الأحداث الإجرامية التي تعرض لها سكان الضاحية على يد الإرهابيين، والوقائع الحقيقية التي عاشها الأهالي ومدى معاناتهم مع إظهار حالات التعاون والتآخي بينهم، ولتحل ضيفة على ملتقى “شآم والقلم” في فعاليته الشهرية في المركز الثقافي أبو رمانة تحت عنوان “للحرب لون آخر” وأدارت الجلسة الصحفية فاتن دعبول.

الغفران

تغوص الرواية في الظروف الاجتماعية للعائلتين “أبو علي وأبو وليد” ولا تتردد في محاولة التوثيق للحدث سياسياً، حيث قالت لبنى شاكر: تضع الرواية نفسها أمام تساؤلات عديدة “هل يمكن اختزال الواقع في عمل أدبي من دون أن ننسى أن الإحاطة بالواقع في أي عمل درامي أو أدبي هي جزئية؟”، تتخذ لنفسها زاوية ما تنظر من خلالها إلى الحدث، وهو ما تلزم به نفسها بدءاً من عنوانها “طابقان في عدرا العمالية” سرعان ما يأخذنا العنوان إلى أطراف دمشق، وتأتي الحكاية عبر سرد طويل يمكن تجزئته إلى قسمين ما قبل الحرب وما بعدها، وتبعاً لتفاصيل الرواية ما قبل سفر علي ووليد لمتابعة الدراسة وما بعد عودتهما إلى عدرا.

في الجزء الأول يسرد الكاتب صفحات كثيرة لتبيان الود والمحبة اللذين يجمعان سكان إحدى البنايات في عدرا، يتبع الكاتب أسلوباً بإيراد حدث مقابل كل حدث سابق فعلى سبيل المثال يلجأ الجاران بمشورة ولديهما في الحكم على المتآمرين عليهما في أحد المعامل في عدرا بسؤالهما هل نعفو عن من ظلمنا؟ أو نعمد إلى عقابه وهنا يختار “علي” الصفح بينما يفضل “وليد” العقاب، وهو ما يعود إليه الكاتب في إظهار شخصية “وليد” مشروع الإرهابي المنقاد دونما تفكير، و”علي” المدرك لحقيقة الأمور، والحقيقة أن الحياة لا تتعامل لهذه الثنائيات أو التقابل ولا تجود علينا دائماً بمواقف تشرح وتوضح بل كثيراً ما تفاجئنا بأفعال وكلمات لم يخطر في بالنا أن تصدر عنه.

ينتقل الكاتب في الجزء الثاني مع عودة “علي ووليد” من السرد إلى الحوار بينهما، ويمكن القول إن الرواية وقعت مع هذا الانتقال في كثير من “الإملاء والتنظير” ولاسيما أن الكاتب يصبغ حواراتهما بطابع سياسي أقرب لبرامج التحليل السياسي ونشرات الأخبار ويعيد علينا ما عايشناه كسوريين من دون إضافة تذكر.

يحسب للرواية محاولتها جمع الفرقاء المختلفين وهو ما عجزت عنه جهات عدة بما فيها وسائل إعلامية كثيراً ما ساهمت في تأجيج نار الاختلاف، ويحسب للرواية أيضاً التماسها الغفران وهو أكثر ما نحتاج إليه اليوم كسوريين شركاء في كل شيء.

تيار الوعي

تعتمد رواية “طابقان في عدرا العمالية” على أسلوب السرد الدائري، وهذا ما عبر عنه عماد فياض بالقول: يبدأ هذا السرد من مكان عابر لمكونات المجتمع السوري، في الصفحات الأولى من الرواية تبدأ عملية عرض عامة وتأسيس لما سيحدث لاحقاً، ويتركز العرض بشكل عام على شخوص الرواية من أطفال أو كبار حتى بائعة الحليب “أم نائل”، وكل هذا هو تأسيس وإلقاء الضوء لما سيحدث.

يمتد زمن الرواية أكثر من عشرين عاماً منذ ما قبل المرحلة الابتدائية حتى إنهاء الدراسة الجامعية، وتحاول الرواية أن تشي بالواقعية من خلال الفضاء الحقيقي أولاً وثانياً من خلال الأحداث، وتصور واقع العائلة السورية قبل الأزمة وبعدها، إذ أنها تبين بنيتها وتشابكها والصلات الحميمية فيما بينها، لكن لماذا حدث كل هذا الشرخ؟ تنتمي رواية “طابقان في عدرا العمالية” إلى ما يسمى برواية تيار الوعي، هذا النوع من الأدب الذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وهي رواية الذات المتكسرة المتشظية بسبب هذا الكم الذي لا يصدق من الخراب والموت، وتيار الوعي يكون كنوع من التداعي الحر والمنولوجات للاحتفاظ بشيء لهما التوازن النفسي، وتتضح الدراما في الرواية والحضور المسرحي بشكل واضح.

الحب والحرب

ووصف عبيدة دعبول الرواية بالمشوقة والواقعية الجميلة، وهي بمثابة رمية رام ماهر حين يستخلص الكاتب صفوان إبراهيم زبدة الكلام ويتقن صنعها لتصير حديث الآخرين ومحط أنظارهم ولهفتهم وسؤالهم ما الذي حصل بعد ذلك؟.

بدأ الكاتب روايته بالعودة بذاكرته نحو اللابعيد من سورية حيث يقول كان عمري الزمني خمسة أعوام، ويظهر الصورة التي كان يعاني منها، مَن يضطر للانتقال وعائلته من محافظة إلى أخرى بحكم عمله، ورغم ذلك غالباً ما تُظهر حالة من الألفة والمودة في المكان الجديد للسكن بين الوافد والسكان وهذا ما يبين وحدة الروح والمكان في كل بقعة سورية.

في الواقع يطغى الجانب الإنساني على الرواية من بدايتها، وسرعة التآلف الذي حصل بين الكبار في العائلات من جهة وبين الأطفال من جهة أخرى، وكأن الزمن عاد بنا إلى الوراء حيث كان البيت الواحد يجمع أجيالاً مختلفة من الجد والأبناء والأحفاد والزوجات، وأظهر المؤلف صورة أصحاب المهن الذين تعاملوا بيسر مع مهنتهم الأمر الذي انعكس إيجاباً على الآخرين “صورة الصيدلانية والمعلم” حيث انتهى بهما الأمر إلى الزواج.

بين الحب والحرب حرف فاصل جعل من المكان الذي احتوى كل مقومات الحب يصير ناراً أحرقت أجمل ما حولها إلا الذاكرة، وردة الفعل الإيجابية التي تولّد نتيجة إيجابية وإن طال الوقت هذا ما أكده الروائي في بداية روايته حول محبة السوريين لبعضهم مهما قست الظروف.

جمان بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة