لعبة الملاك.. أم الشيطان ؟!

لعبة الملاك.. أم الشيطان ؟!

 

إذا أحببت السفر عبر الزمن لرؤية الماضي، تشاهد فيلماً وثائقياً، وإن أردت رؤية تفاصيله من أماكن وشخوص تشاهد فيلماً سينمائياً، أما عندما ترغب أن تعيش داخله وشخوصه فإنك تقرأ رواية، لكن إن قررت أن تظل حبيساً في ذلك العالم السحري لبرهة من الزمن فمن المحبب أن تختار عالم كارلوس زافون.
لعبة الملاك، الجزء الثاني من سلسلة “مقبرة الكتب المنسية”، يعود فيها الكاتب لسرده الساحر في مدينة برشلونة القوطية، قبل حوالي العشرين عاماً قبل روايته الأولى “ظل الريح” فترى المدينة الكئيبة القاتمة الباردة الجميلة رغم كل السواد، من قرأ رواية ظل الريح، لن يجد هذه الرواية مشابهة لها، باستثناء أسلوب السرد المبهر، فالرواية مختلفة تماماً شكلاً ومضموناً، حبكة متشابكة مبهرة، ونهاية تظل حتى آخر صفحات الكتاب تلتهم عيناك الحروف بنهم مجنون لتتوصل إليها وتفك تفاصيل اللغز العجيب.
رواية لعبة الملاك، غرائبية الأحداث، فيها الكثير من الرعب الحقيقي، وفيها الكثير جداً من الدماء والنهايات المروعة والقاسية للشخصيات، هي رواية تعددت قصصها ما بين لعبة الكتاب ودور النشر التي تمتص دماءهم ومواهبهم، ولعبة الشيطان، ولعبة التلاعب بالأديان، رواية تتحدث عن صداقات غير متكافئة وأخرى رائعة، عن قصة حب، عن مصائر متشابكة، عن الكتابة ذاتها.
تبدأ أحداث الرواية مع دافيد مارتين الشاب الصحفي الذي قاسى آلام طفولة صعبة في ظل والده الذي قتل بين يديه، ينتقل بعد ذلك ديفيد وبمساعدة بيدرو فيدال إلى إحدى الصحف الكتالونية ليبدأ نجمه بالسطوع عبر كتابة قصص بوليسية ثم يأتيه عرض من أحد دور النشر للكتابة باسم مستعار لقصص بعنوان “مدينة الملاعين” هنا تبدأ المحنة في الظهور بسبب قسوة الشروط على ديفيد، ويبدأ الانحدار في أسلوب الحياة والإرهاق الهائل الذي يجتاح كيانه فجأة يتم تشخيصه بورم في الدماغ.يأتي لديفيد عرضاً غريباً من شخص غامض يدعى الناشر أندرياس كورييلي لتأليف كتاب عن إنشاء دين معين، وسيحصل بالمقابل على مبلغ كبير مائة ألف فرنك يودع في البنك، يقبل ديفيد العرض وبجو سحري يتم تخليصه من الورم الدماغي بعملية جراحية بواسطة كورييلي، في هذه الأثناء يصل ديفيد إلى مقبرة الكتب المنسية بواسطة دون سيمبيري، يلتقط أحد الكتب التي تصادف أنها لشخص بنفس أحرف اسمه د.م وكي تكتمل المصادفة يكون هذا الشخص قد سكن المنزل الذي يعيش فيه ديفيد حالياً، تتسارع الأحداث ليرى ديفيد نفسه في دائرة حيث يسقط الجميع من حوله قتلى، وليدخل في صراع مع كوريلي الشيطاني الذي يريد الديانة الجديدة بينما ديفيد يريد خلاص روحه من هذه المحنة.
إبرام العقد مع الشيطان كورييلي يذكر بفاوست فمقابل المال يتخلص من المرض، لكن هل فعلا كوريلي شيطان أو يتخذ الصفات الشيطانية؟ من غير الإمكان أن الجزم بذلك، ولكن هناك تلاميح في النص تعكس الصورة الشيطانية لكورييلي في أحد الحوارات بين كورييلي ومارتين يسأله مارتين ماذا يرغب أن يكون في شبابه؟ يجيبه كورييلي: أرغب أن أكون الرب،وهنا إشارة واضحة إلى الهالة الملائكية التي خلقها زافون حول كورييلي.
في البداية سيتخبط المرء في القراءة رُبما لأنها تبدو اعتيادية، مأساوية قليلًا لكن اعتيادية طويلة ومُستفيضة، كأنك عشت مع ديفيد مرحلة نضوجه الكامل تماماً، ثم ستشعر أن الجزء الآخر هو قصة بعيدة عن ديفيد الثلاثيني الذي يبدو كأنه في الخمسين، ستصادفك كمية الخيال الرهيبة والأشياء التي لا تستطيع تفسيرها، هل هي حالة ديفيد النفسية أم أنه فقط من صنع الشيطان؟
الرواية تحفل بالعديد من الرمزيات والتي قد لا يدركها القارئ إلا بعد التفكير فيها كثيراً، فيها الكثير من الألغاز ولعل اللغز الأكبر هو “هل هي لعبة ملاك أم لعبة شيطان”؟.
علا أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة