لن نأكل اللوتس!

لن نأكل اللوتس!

حسن حميد

بلى، ثمة كائنات نورانية تحيطها الدنيا كلها بأسيجة من المكاره والأذيات والظروف التي لا تليق بالإنسان، فتبدو، وحين تكرّ الأيام، كأنها النيران التي شويت عليها هذه الكائنات لأنها روحها تشبه في الصلادة والأصالة الذهب، فهي وكلما شويت أكثر تجلت أكثر، وظلّت ذهباً!
ومن هذه الكائنات النورانية أرواح نذرت حياتها للتعالق مع الفنون والآداب والفكر فأضحى بعضها دروباً شارقة بالنور البهي، وأضحى بعضها الآخر مدناً فيها من السحر ما يأخذ بالألباب، وهؤلاء سماهم الناس، ومنذ أيام الإغريق، بـ بناة العالم. والحق أن كل من يتابع سير أهل النيافة والمكانة، أعني أهل الاشتقاق والإبداع يجد أن المعاناة كانت، في معظم الحالات وراء هذه البراعات التي أبدوها، وأن صعوبات التكيف مع الحياة، والآراء، وما يجول في الفكر من طموحات، هي التي دفعت هؤلاء البناة إلى المزيد من الجلد، والعمل، والإبداع العزيز.
من هؤلاء البناة فنان تشكيلي، هو ناجي العلي، الذي يصادف حادث اغتياله في هذه الأيام؛ في مدينة لندن، وفوق الرصيف، وهو يمشي على رجليه، وفي وضح النهار، وعبر مسدس كاتم للصوت، وفي مشهد لا يخلو من الضحك الأسود، لأن ناجي العلي، ومن هم حوله، صدقوا أن عاصمة الضباب الإنكليزية قادرة على حمايته، بعد أن جاءته التهديدات تترى، حتى لم يخل يوم واحد في حياته، بعدما غادر بيروت إلى الكويت، من التهديد. لقد نصحه الأصدقاء، والعارفون بالأمن، أن يغادر بيروت أولاً لدواعٍ أمنية، كي لا يصير مصيره مثل مصير غسان كنفاني، وكمال ناصر، وأن يغادر الكويت لأنه من المستحيل حمايته فيها، وإبعاده عن عين الخطر، وأن يذهب إلى لندن تحديداً، لأن لندن قادرة على حمايته؛ وقد تناسى هؤلاء الأصدقاء، والعارفون بأمور الأمن، أن ماجد أبو شرار اغتيل في روما، وأن حنا مقبل اغتيل في قبرص، وأن عز الدين القلق اغتيل في باريس.. وأن وأن وأن..
ذهب ناجي العلي إلى لندن، واغتيل في مشهد مسرحي وحشي يؤكد أن كل شيء ممكن الحدوث في عواصم الغرب لأن الغرب يريد ذلك، ويسمح بذلك. اغتيل ناجي العلي واقفاً فوق رصيف لندني لسبب وحيد أنه عنيد في عشقه لفلسطين. كان في مخيم عين الحلوة فلسطينياً، وحين ذهب إلى بيروت ليرسم في جريدة السفير كان فلسطينياً، وحين تقفى درب ناجي علوش وخالد أبو خالد ومحمد القيسي وغسان كنفاني بذهابه إلى الكويت كان فلسطينياً، وحين ذهب إلى لندن كان فلسطينياً أيضاً. لهذا السبب، أي العناد الوطني اغتيل ناجي العلي الذي بنى له، ولأهل الفن، وأصحاب القضايا الإنسانية الكبرى مملكةً فنيةً نادرةَ المثال، فيها من الدهشة والسحر والجمال ما فيها، وفيها من البراعات والاشتقاقات الفنية ما فيها، وفيها من الرؤى والمواقف والمبادئ والثبات والنبل والجرأة والنظر الثاقب والروح الباسلة والمعاني والجدة والنفاسة والقيمة والحضور والأسئلة الجوابة والفلسفة التي تنحّي كل مفردات اليأس والإحباط والتقاصر والانحناء والمذلة والتراخي والهوان والسكوت والنسيان؟ اغتيل ناجي العلي لأنه سعى طوال حياته القصيرة، أن يقرن اسمه واسم معشوقته فلسطين في ترادف أول وأخير.
قيل الكثير عن ناجي العلي، وهو مهمّ في كليته، كسيرة حياة، وسيرة فن، لكن الأهم في نظري أن أموراً ثلاثة كانت وراء فن ناجي العلي الثري. أولها: فلسطين بأبعادها القديمة والحديثة، وثانيها: ثقافته الهائلة، فقد كان يقرأ كل ليلة كتاباً أو ما يماثل الكتاب حتى يطلع على الناس صباحاً برسم جديد، كدت أقول بنقش جديد، وثالثها: إيمانه بالحق الذي لا ينسى، ولذلك قال لغاصبي الأرض: نحن أهل فلسطين لم نأكل نبات اللوتس، ولن نأكله.. كي لا ننسى! وهذا ما أدماهم، فسعوا إلى اغتياله.
Hasanhamid55@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة