أبعد من “خان شيخون”

أبعد من “خان شيخون”

 

لا تندرج مسارعة أردوغان بالأمس لنجدة “جماعاته” في إدلب، وعلى رأسهم “جبهة النصرة”، بالسلاح والعتاد سوى في سياق تأكيد المؤكّد: المعركة في إدلب خصوصاً، والشمال عموماً، معركة مع الأطماع التركية الأردوغانية أولاً، لكنها معركة كان يمكن تفاديها لولا التعنّت الواضح في تنفيذ مخرجات “سوتشي”، ولولا “التذاكي” المفضوح في استخدام هذا الاتفاق ومُهله لتمكين مجموعاته المسلحة من حكم إدلب، والشمال السوري، بالكامل وتحويلها إلى “إمارة” طيعة تمهيداً لاستخدامها في “بازارات” السياسة المقبلة، أو الحاقها بـ “خلافته” وهو خيار تذكيه طريقة تسفيره المهينة للمهجرين السوريين من المدن التركية إلى هذه المنطقة، وعمله المستمر على تتريك البنية الإدارية والتعليمية والسياسية والاقتصادية فيها.
بهذا المعنى ليست المعركة الشمالية محاولة لانتزاع “سوتشي” بالقوة من هاوية الأطماع الأردوغانية، كما يرى البعض، بل هي، بطبيعة ميدانها الجيوسياسي، وارتباط راعيه التركي بحسابات ورهانات متشابكة ومتعارضة مع القوى المتعددة والمتدخلة في سورية، معركة قرار سوري واضح بانتزاع وحدة الأراضي السورية بالقوة، بعد أن فشلت الدبلوماسية والنفس الطويل سواء في إعادة التركي إلى صوابه عبر إعادة تعريفه بمصالحه الاستراتيجية الحقيقية، أو في إيقاظ بعض السوريين المتوهمين بإمكانية الاستقواء بالأجنبي لاقتطاع جغرافيا محددة وحكمها تحت تسميات وشعارات “برّاقة” بمظهرها، لكنها بالكاد تغطي على حقيقة أنها مجرد كانتونات عنصرية شوفينية ستتحوّل، بحكم موازين القوى وسيرورة التجارب السابقة، إلى “ولايات” تابعة، سياسياً بالمطلق وإدارياً في بعض الحالات، إما للمحتل التركي، وإما للمحتل الأمريكي.
واستطراداً، فإنه من المؤسف، بالنسبة لنا كسوريين، ألا يتوقّف البعض لطرح السؤال حول جدوى تحالفهم الذيلي معه أو مع واشنطن، فإذا كان هو لا يتعامل مع أتباعه إلا كـ “جندرمة” في خدمة مشروعه، فإن واشنطن لا تتوانى عن التلويح بأتباعها كسلعة يمكن بيعها في أي لحظة لمن يدفع السعر، السياسي أو المالي، المناسب، والأدهى من ذلك أن انسياقهم الأعمى خلف وهم هذا “التحالف” جعلهم مجرد أداة رخيصة تقدّم تغطية مجرمة للاحتلال التركي لجغرافية ممتدة في الشمال السوري، على ما بدا من تصريحات “قادتهم” بشأن “الآمنة” التي فضحت ذل الخضوع بدل أن تعبّر عن مصالح حقيقية وقرار مستقل كما يدعون.
لذلك كله ستتعدّى المعركة خان شيخون مهما تراكمت الصعاب وطال الزمن، فذلك شرط ضروري لازم لذاته وبذاته في مواجهة الأطماع، وشرط لازم أيضاً لإفهام البعض أن لا خطوط حمراء أمام قرار الحفاظ على وحدة الجغرافيا السورية، وأن الرهان على الأجنبي رهان خاسر، وترسيخ هذه المعادلة هو شرط لازم بدوره لانطلاق عملية سياسية حقيقية جامعة بقيادة سورية، لا أجنبية، كما تنصّ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وبالتالي خروج سورية سليمة وقوية من أزمتها، وخروج الإقليم بالكامل من خناق التبعية إلى رحاب التعاون والتنسيق المشترك لما فيه خير الجميع.
بهذا المعنى، مرة جديدة، تتجاوز هذه المعركة حيّزها المحلي الوطني، فهي أيضاً، بطبيعتها الجيوسياسية كما أسلفنا، شرط لازم لحماية المنطقة من الأطماع والأوهام التي تعشعش في رؤوس البعض، وهي أوهام ثبت بالدليل القاطع أنه لا يمكن إزالتها بالاستمرار في مراعاة خاطر التركي والاقتصار على التعبير عن “القلق والاستفزاز” وتكرار الكلام الممجوج عن خرق الشرعية الدولية، فلا أحد في العالم الواقعي يهتم بها، بل لا بد من اتخاذ مواقف عملية جماعية ضده، خاصة وأن آثار نجاحه في تنفيذ مآربه لن تقتصر توابعها على سورية فقط، بل ستتعداها لتشمل الجميع في المنطقة، وأولهم “القلقين” بالتأكيد.
غير ذلك، كلام لا يمكن النظر إليه إلا بكونه توسعة لذاك الثقب الأسود الذي سيبتلع الجميع، ما لم يبدأ الفعل الجماعي من “خان شيخون” أولاً، ثم إلى أبعد منها بكثير.
أحمد حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة