“سنترال بارك”.. رواية بنكهة الأمل

“سنترال بارك”.. رواية بنكهة الأمل

دائماً هناك جانب من الحقيقة لا يظهر إلا في اللحظات الأخيرة، يقلب كل التوقعات ضمن أحداث لرواية بوليسية درامية رومانسية مليئة بالمفاجآت، والتشويق هو عنوان رواية “سنترال بارك” من البداية حتى النهاية، يضع الكاتب الفرنسي غيوم ميسو لروايته التوابل التي تُعطي طعماً شهياً ليحثنا على الاستمرار في القراءة، فنراه يذكر خطوات الفحص الطبيِّ بدقة أو بطريقة تحضير وجبة ما حتَّى في بعض الأحيان يذكر خطوات عملية جراحية، إلى أن تمنح هذه التفاصيل الرواية نكهة واقعية ومذاقاً صادقاً يكاد القارئ بعدها يحسب أن ما يرويه الكاتب قد حدث فعلاً.

ضمن هذا العمل الإبداعي استطاع غيوم ميسو نقلنا في مسار مليء بالإثارة والتشويق، وحافل بالأحداث المتتابعة، حيث مُزجت نهاية الرواية بين الواقعية والأمل، ويظهر ذلك تماماً في القسم الأخير المعنون بـ”سيكون” وهي إشارة إلى أن الأمل لا يزال قائماً في تجاوز آلام الماضي، وتأسيس حياة جديدة، في ظل وجود شخصين مستعدان لخوض المعركة، لا سلاح لهما سوى الرغبة في الاستمرار، وانتزاع لحظات السعادة والأمل من بين يدي القدر.

تتحدث رواية “سنترال بارك” عن الشرطية “أليس شافر” التي تستيقظ صباحاً لتجد نفسها مقيدة بالأصفاد مع رجل مجهول “غابرييل كوين” يدّعي أنه عازف موسيقي، وذلك على أحد مقاعد حديقة سنترال بارك في نيويورك، فكيف وصلا لهذا المكان وهي التي كانت في الأمس برفقة صديقاتها في باريس، بينما هو كان يُحيي حفلة موسيقية في دبلن بإيرلندا، تتواصل الأحداث وتتلاحق بشكل مفاجئ وغامض، لتبدأ معها رحلة البحث عن الحقيقة، وفك خيوط هذا اللغز المحيّر.

يختار ميسو عادة شخصياته بعناية ويجعلها على نسق يناسب توجه الحبكة، ففي هذه الرواية نجد أن الشخصيتين الرئيسيتين تتميزان بصفات متنوعة، فـ”أليس” حادة الطباع وصارمة تارة وضعيفة عندما تستحضر ماضيها المؤلم، و”غابرييل” الذي ينتقل من عازف للجاز إلى شرطي في مكتب التحقيقات الفيدرالي، ثم إلى طبيب نفسي يُحاول مساعدة “أليس” التي تعاني من مرض الزهايمر، وكثيراً ما تعود للوراء لتتذكر أحداثها السابقة، محاولة منها لفهم وقائع الحاضر، فتستحضر ذكرياتها الأليمة عن تعرضها للطعن من القاتل المتسلسل “فوغن” والذي أدى لفقدان جنينها، ثم تعرض زوجها لحادثة سير مميتة عندما كان يريد اللحاق بها إلى المستشفى، تساعد هذه الذكريات على فهم طبيعة شخصيات الرواية، وتربط الحاضر بالماضي بغية استيعاب الأحداث الجارية، لكنها لا تخلو من الملل في بعض اللحظات، بل وتؤدي لكسر إيقاع الرواية خصوصاً عندما تتكرر في عدة محطات.

تتحول الشخصيات الثانوية في آخر أجزاء الرواية كحل للحبكة وتصبح كل شخصية جزءاً من اللوحة الروائية المبعثرة التي تجتمع لتكون الحل، حيث تربط الأحداث المبعثرة مع بعضها البعض فلا عجب لعدم إلقاء الضوء عليها أو لعدم ذكرها في البداية فهذه حيلة مباحة للراوي، والعجيب أن حل المشكلة لا يتم إلا بعد أن تترابط الشخصيات مع بعضها، فلكل شخصية علاقة بكل الشخصيات الأخرى، ولكل شخصية عالمها الخاص ومشكلتها التي لا يبخل علينا غيوم ميسو في سردها.

فيلم سينمائي

قال أحد الكتّاب في إحدى المقالات الصحفية عن رواية “سنترال بارك”: “تستحق هذه الرواية أن تتحول إلى فيلم سينمائي، على غرار روايتي “وبعد” التي تحولت إلى فيلم سنة 2008، وكذلك رواية “لأني أحبك” التي تحولت لفيلم بعنوان “La Traversée” سنة 2012. ويساعد على ذلك السيناريو الذي يكتسي صبغة سينمائية، وكمّ التشويق والإثارة المناسب لإخراج عمل سينمائي يقدم للعمل الروائي الأصلي إضافة، ويمنحنا فرصة معاينة “أليس” و”غابرييل” صوتاً وصورة، وبالحديث عن السينما، يبدو أنّ بطلة الرواية تُشبه شخصية “ليونارد شلبي” في الفيلم العبقري (Memento) في بعض الجزئيات، مع اختلاف الحبكة بين القصتين”.

الراوي

تحتل كتب الكاتب الفرنسي غيوم ميسو قوائم أفضل المبيعات في العالم، وهو الحائز على جائزة “فارس وسام الفنون والآداب”، دأب منذ طفولته على قراءة الكتب والمسرحيات، حتى أصبحت لديه قناعة حقيقية بأنه سوف يكون روائياً يوماً ما. صدرت أولى رواياته في عام 2001 ولم تحقق النجاح المطلوب، ثم تتابعت أعماله الناجحة بعد ذلك حتى صار من أشهر مؤلفي فرنسا، ترجمت بعض رواياته إلى أكثر من عشرين لغة، ومنها: “لأنني أحبك”، و”وبعد”، و”سنترال بارك”، و”نداء الملاك”، و”غداً”، و”أنقذني”، و”بعد 7 سنوات”، و”عائد لأبحث عنك”، و”فتاة من ورق”، و”اللحظة الراهنة”، و”فتاة بروكلين”، و”شقّة في باريس”.  وُلد هذا الكاتب الظاهرة عام 1974 بمدينة “أنتيب” الفرنسية، وبدأ الكتابة في سن التاسعة عشرة حين كان طالباً، وبسبب عشقه لأميركا، قام بزيارة لمدينة نيويورك وأقام فيها لبضعة أشهر، حيث اشتغل هناك بائعاً للآيس كريم كوسيلة لاكتساب رزقه، ثم عاد إلى فرنسا ودرس العلوم الاقتصادية في جامعة نيس، وبعد تخرجه عمل أستاذاً للاقتصاد من 1999 إلى 2003، قبل أن يتفرّغ نهائياً للكتابة.

جمان بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة