جونسون يخنق الديمقراطية البرلمانية

جونسون يخنق الديمقراطية البرلمانية

ترجمة وإعداد : لمى عجاج

يوماً بعد يوم بات يتكشف بما لا يدعو للشك بأن المبادئ التي وعدت بها حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كانت فارغة المحتوى وجوفاء، فقبل الاستفتاء وعد المؤيدون للخروج من الاتحاد الأوروبي بأن الانتصار سيمكنهم من التفاوض على صفقة رائعة مع الاتحاد الأوروبي، أما اليوم فهم يطالبون بالرحيل بلا صفقة على الإطلاق، ووعدوا أيضاً بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيسمح لبريطانيا بإبرام المزيد من اتفاقيات التجارة الحرة، أما اليوم فهم يقولون: إن التداول وفق الشروط الأساسية لمنظمة التجارة العالمية سيكون أمراً جيداً، لقد تحدثوا بصوت عالٍ عن استعادة السيطرة واستعادة السيادة على البرلمان ولكن وعلى الرغم من كل هذه الادعاءات والوعود جاء بوريس جونسون رئيس الوزراء الحالي والذي كان في السابق من أبرز المنادين بالخروج من الاتحاد الأوروبي ليعلن بأنه سيتم تعليق عمل البرلمان البريطاني بالكامل وذلك قبل أسبوعين من الموعد المحدد لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي فهل همّش بوريس جونسون البرلمان الأوروبي؟! وهل يجب على النواب التحرك لمنعه؟!.

لقد خطط جونسون بدهاء لحيلته المكشوفة لمنع نواب البرلمان من الخروج عن مسار الخطة المتهورة التي حددها لمغادرة الاتحاد الأوروبي مع أو بدون صفقة بحلول المهلة النهائية في31 تشرين الأول، في خطوةٍ ارتآها من ضمن صلاحياته القانونية لكنه بدت غير قانونية بالنسبة لمعارضيه الذين اعتبروا بأنه تخطى حدوده الدستورية لأنه حدّ من الوقت المتاح الذي يحتاجه البرلمان للتصويت على أي قانون من شأنه أن يمنع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، ما يعني إسكاته للديمقراطية التمثيلية لبريطانيا الأمر الذي يمكن اعتباره سابقة خطيرة لم يشهدها البرلمان من قبل،  لكن لم يفت الأوان بعد على أعضاء البرلمان لإحباط خطط جونسون فقط في حالة واحدة وهي في تنظيم صفوفهم وتوحيد موقفهم، وإن فكرة حتمية عدم التوصل إلى أي اتفاق والتي يزرعها المتعنتون الذين ينصحون جونسون هي فكرة كاذبة وزائفة، فالاتحاد الأوروبي ضد هذه النتيجة ومعظم البريطانيين يعارضون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق لإدراكهم التام لنتائجه الكارثية،  فالبرلمان صوت بالفعل ضد هذه الفكرة لكن النواب المصممين على رفض الخروج من دون اتفاق أصيبوا بحالةٍ من التشتت وعدم التركيز بعد عودتهم إلى العمل بعد العطلة الصيفية المضطربة التي قضوها، فليس أمامهم المتسع من الوقت لتفادي هذه الكارثة الوطنية غير المحمود عقباها  والتي أظهرت السبب الحقيقي من وراء تصرفات جونسون، فالفرصة سانحة وعليه أن يغتنمها قبل فوات الأوان.

ربما ارتكبت تيريزا ماي الكثير من الأخطاء لكن من بين كل الأخطاء التي ارتكبتها تيريزا ماي كرئيسة للوزراء ربما يكون خطؤها الأكبر في زرعها للاعتقاد القائل بإن بريطانيا قد تبلي بلاءً حسناً بعد مغادرتها الاتحاد الأوروبي دون أي اتفاق، الخروج الذي كان من المفترض أن يقنع الأوروبيين بشعارها القائل “لا صفقة أفضل من صفقة سيئة” لتقديم بعض التنازلات، ولكنه على العكس من ذلك فهو لم يقنع العدد الكافي من الناخبين البريطانيين والنواب البريطانيين بفكرة أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون الحل الأمثل للمملكة المتحدة،  فالواقع ينبئ بخلاف ذلك، حيث يشير تحليل الحكومة إلى أن عدم الاتفاق سيجعل الاقتصاد أضعف بنسبة 9٪ بعد 15 عاماً مما كان عليه في حال بقيت بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، بينما اعتبر بوريس جونسون بأن الوضع مهيأ للانفجار والاضطراب على نحو واسع وخطير وغير مسبوق، فموظفو الخدمة المدنية يتوقعون نقص في الغذاء والدواء والبنزين وفوق كل هذا “الانهيار” في الموانئ، لكن يبدو أن هناك عدداً لا يستهان به من الناخبين يعتقدون أن بضعةً من الشهور الصعبة والدخل القليل قد تكون ضرورية ،فالأمر يستحق كل هذا العناء لإنهاء رحلة مضجرة من العمل الشاق، فمن وجهة نظرهم من الضروري أن لا تغادر بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق لأنها في هذه الحالة ستكون في أمس الحاجة للتوصل إلى صفقة مع الاتحاد الأوروبي والتي ستتطلب منا نفس التنازلات السابقة – وربما أكثر بالنظر إلى أن يد بريطانيا ستكون أضعف- في حين يصر جونسون على أن نيته هي الحصول على اتفاق جديد أفضل قبل 31 تشرين الأول وأنه ليقوم بذلك يحتاج إلى إظهار جديته في تهديد الاتحاد الأوروبي والتأكيد على ثبات موقفه بعدم التوصل إلى اتفاق على الرغم من حقيقة أن السيدة ماي لم تصل إلى أي نتيجة حتى بعد إتباعها لهذا الأسلوب إلا أن العديد من أعضاء حزب المحافظين ما زالوا يرون بأنه الأفضل و الاتحاد الأوروبي يريد صفقة بعد كل شيء، وبينما أصبح من الواضح أن السيدة ماي كانت تخادع في الخروج، يبدو أن جونسون جاد ( وذلك بحسب رأي المتعصبين لجونسون). قالت أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية مؤخراً:  إنه يتعين على بريطانيا أن تضع خطة خلال الثلاثين يوماً القادمة إذا كانت تريد استبدال الجزء الأيرلندي،  الجزء الأكثر إثارة للجدل في اتفاقية الانسحاب.

يريد الكثير من المحافظين المعتدلين حتى أولئك الذين يعارضون عدم التوصل إلى اتفاق في إعطاء رئيس الوزراء الجديد فرصة لإثبات نفسه لكنهم على خطأ،  فأولاً: ما زال تأثير تهديد عدم الاتفاق في بروكسل محط الكثير من الاهتمام والقلق في لندن كما أن موقف الاتحاد الأوروبي – المنفتح على الاقتراحات البريطانية المحتملة – هو نفسه كما كان دائماً فالاتحاد الأوروبي في وضعٍ يحتم عليه أن يضع في أولوياته ضرورة الحفاظ على قواعد ناديه سليمة لتجنب أعضاء جدد يتحينون الفرصة لمعاملة خاصة مع اتفاق أو بدون اتفاق، فذلك لن يتطلب سوى إجراء بعض التغييرات الهامشية على الاتفاقية الحالية. وثانياً: حتى لو حصل وتخلى الاتحاد الأوروبي عن جميع أعضائه فهذا لم يعد بالأمر المهم لأولئك “المتعنتين” الزاهدين في فكرة المغادرة من الاتحاد الأوروبي من دون صفقة، فعلى ما يبدو أن الأمر لم يعد يعنيهم فهم مستعدون للتصويت ضد أي اتفاق. ثالثا، حتى لو تم تقديم صفقة جديدة بالكامل من قبل الاتحاد الأوروبي ومن ثم تمريرها على البرلمان والتصديق عليها في أوروبا فإن إصدار القوانين اللازمة في بريطانيا يتطلب التمديد إلى ما بعد 31 تشرين الأول.

إن تعهد جونسون بالمغادرة في هذا التاريخ  “افعلها أو أموت”  يجعل من المستحيل الخروج مع أي صفقة جديدة كما أنه يكشف أنه غير جاد في الأساس في مسألة التفاوض لهذا السبب يجب على البرلمان أن يتصرف الآن من أجل عدم إبرام أي صفقة عن طريق إقرار قانون يطلب من رئيس الوزراء أن يطلب من الاتحاد الأوروبي تمديده. إن هذا الأمر لم يكن سهلاً حتى قبل أن يصبح السيد جونسون برلمانياً، فالتحكم في جدول أعمال مجلس العموم يتم من قبل داونينغ ستريت والتي لن تسمح بتمرير مثل هذا القانون. أظهر نواب البرلمان في الربيع الماضي أنهم قد يسيطرون مؤقتاً على جدول الأعمال عندما أقروا قانوناً يجبر السيدة ماي على طلب تمديد بعد الموعد النهائي الأول لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 29آذار، لكن في هذه المرة لا يوجد تشريع حالي يكون بمثابة “ربط” لتعديل يفرض تمديداً لذلك سيتعين على رئيس المجلس أن يقوم بإجراء غير مسبوق من خلال السماح للبرلمان بتعليق تصويت ملزم لمناقشة الطوارئ والذي يعتبر إجراء غير طبيعي فلم يحدث مسبقاً أن تم تعليق جلسة البرلمان لأكثر من شهر، لأجل ذلك فإن تعليق البرلمان لمدة خمسة أسابيع تقريباً سيحد من الوقت المتاح أمام النواب وهذا ما سيجعلهم يفقدون الأمل. لذا إذا لم يتمكن جونسون النائب المتمرد من استصدار قانون حينها يجب على النواب أن يكونوا مستعدين لكسب الجولة وذلك باستخدام سلاحهم الأخير لإقصاء السيد جونسون عن منصبه بالتصويت لحجب الثقة عنه فهو يتمتع بأغلبية عضو واحد في البرلمان، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن محاولة العثور على رئيس وزراء انتقالي أو طلب تمديد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل الدعوة إلى الانتخابات ستواجه تحدياً صعباً يتعلق بمن سيكون هذا الرئيس فهل يكون جيرمي كوربين زعيم حزب العمل اليساري الذي يكرهه معظم المحافظين أو شخصية أخرى أكثر حيادية؟. فاليوم إن لم تتمكن فصائل المعارضة المتناحرة فيما بينها على “عدم الاتفاق من الاتفاق”،  عندها سيفوز السيد جونسون لكن في حال حيّدوا خلافاتهم جانباً عندها فقط سيكون لديهم الوقت والفرصة، فمنذ اللحظة الأولى التي استلم فيها رئيس الوزراء منصبه وهو يسعى لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق متجاهلاً ما لهذا الخروج من انعكاسات سلبية على الاقتصاد فقط ليلوي ذراع البرلمانيين البريطانيين ويزيد الخلاف مع الحلفاء الدوليين. واليوم يظهر بوريس جونسون استعداده لخنق الديمقراطية البرلمانية لتحقيق أهدافه لذلك على النواب المترددين أن يسألوا أنفسهم: إن لم يتحركوا اليوم.. الآن، فمتى؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة