“حنين الذاكرة”.. توثيق سينمائي للتاريخ

“حنين الذاكرة”.. توثيق سينمائي للتاريخ

نقطة الشرارة التي تطلق قصة فيلم”حنين الذاكرة- سيناريو سامر محمد إسماعيل، إنتاج المؤسسة العامة للسينما- الذي عُرض ضمن الفعاليات المرافقة لمعرض دمشق الدولي في الأوبرا- ويعد وثيقة سينمائية تاريخية استمدت أحداثها من الحياة العسكرية والسياسية في سورية منذ نكسة حزيران لتواجه قدرها مع الحروب.

نجح الفيلم في مساره الدرامي الكامل في إيجاد بيئة حياتية استمدت مناخاتها منذ أكثر من نصف قرن، فشد الحاضرين منذ اللحظات الأولى لمرحلة النزوح من القنيطرة إثر حرب 1967، إلى المنزل الكبير في إحدى حارات دمشق القديمة في الزقاق  الضيق والمحال الصغيرة، إلى الحافلات القديمة التي توصل إلى معسكر تدريب الفدائيين، إلى العالم الصغير للمذياع والتلفزيون بالأبيض والأسود وإلى بدايات التغييرات السياسية، إلى فلسطين التي ارتبطت بسورية، ليشهد هذا المنزل على قصة العائلة علي والد كفاح –لجين إسماعيل-الذي يحتفظ بمفتاح منزله ويعتقد أن إقامته لن تطول وسيعود، إلا أن الزمن يمضي ليحتضن تراب دمشق جسده، وبقيت حسرة الاشتياق في القلب إلى تراب الجولان.

بُني الفيلم على التوثيق البصري والسمعي بشكل مباشر فتقنية التوثيق كانت القاسم المشترك بين الفصول الأربعة التي أخرجها أربعة مخرجين، وتميز كل مخرج بزاوية ما، وبدت الفروقات طفيفة لاعتماد الأمكنة ذاتها، لكن تتسع بومضات بإخراج سيمون صفية.

ولم يقتصر التوثيق على نشرات الأخبار المصوّرة بالتلفزيون الذي انتقل عبر مرور الزمن من الأبيض والأسود إلى الملون، فحمل التغييرات وتشكل التيارات الفكرية المختلفة وانتشار حزب البعث وقوة تأثيره بالحياة الاجتماعية في مواجهة الفكر المتطرف، وصولاً إلى الإرهاب والحرب على سورية، وإنما تزامن أيضاً مع برامج إذاعة فلسطين من دمشق من خلال شخصية كفاح المذيع.

واسترجع إسماعيل صور كل الأزمات التي عصفت بالأمة العربية، وفلسطين خاصة، وكان المكان شريك الحوار، إذ بقي البيت الدمشقي الكبير الذي يستضيف العائلات في الغرفة الخاصة إثر تتالي الصراعات والأحداث هو الشاهد.

قلم رصاص

في الفصل الأول “المفتاح” إخراج  يزن أنزور تبدأ القصة مع عائلة والد كفاح المؤلفة من الأم والأب وكفاح وأخته وحضور الخال حسين- سعد مينه- ومعاناة النزوح والفقد وصولاً إلى تحرير القنيطرة، ثم تناوبت المشاهد بين البيت والحارة ومعسكر التدريب، ليكون المشهد الحاسم في الحوار بين سعد مينه واليافع كفاح حينما أراد الدفاع عن فلسطين والأراضي المحتلة والانضمام إلى المعسكر، فرفض حسين لأنه يؤمن بأهمية قلم الرصاص”تستطيع أن تكون غسان كنفاني أو ناجي العلي” في إشارة إلى دور المقاومة التي اتخذت كل أشكال الثقافة والأدب.

اختلافات فكرية

وفي “رقص شرقي” إخراج علي الماغوط نسمع موسيقا ذات طابع غربي كخروج عن المألوف لتدخل الأحداث بعمق الحرب اللبنانية ونزوح العائلات اللبنانية إلى سورية إثر حرب الثمانينيات، فيتضح التباين الفكري بين المعتقدات والاتجاهات والاختلاف الواضح بين تطلعات الفتاة اللبنانية وتحررها وانغلاق أخت كفاح، في حين مثلت المشاهد العاطفية بين الفتاة اللبنانية وكفاح منعطفاً بالفيلم حمل مفاجأة غير متوقعة.

وتتصاعد الأحداث لنصل إلى حرب العراق والاعتداء الأمريكي وسقوط بغداد بالإيحاءات غير المباشرة من خلال الفصل الثالث”لا أحب اللون الأحمر” إخراج سيمون صفية، وظهور الفنانة العراقية التي تسكن بالغرفة وتقدم عرضاً مسرحياً مستمداً من وحي الحرب ليركز صفية على دور الفنّ في نشر الوعي الثقافي.

الذاكرة الحاضرة

ويبدو الفصل الرابع “العودة” إخراج كوثر معراوي هو الأقرب إلى الذاكرة الحاضرة بتمرير مشهد غير متوقع بزيارة الفتاة اللبنانية مرتدية النقاب والعباءة السوداء مع ابنتها التي ترتدي الزي نفسه لعائلة كفاح لتفي بوعدها له لحظة وداعه بأن تزوره إذا زارت سورية، فيذهل إزاء التبدل الذي طرأ عليها، لتجمع المخرجة المعراوي بذكاء عبر الفلاش باك بين الماضي والحاضر، وصولاً إلى تفخيخ سيارة كفاح في ساحة باب توما ولجوء د. ندى-رنا ريشة- إلى منزل العائلة بعدما قتل أهلها في حمص، فيتزوجها كفاح بعد أن لمس تقارباً مشتركاً بينهما بعالم الكتابة.

الأمر الملفت هو التقاطعات بين المرحلة الراهنة عبر العودة مع مرحلة الثمانينات بإشارات داعشية بدت واضحة بتركيز كاميرا معراوي على الساطور بيد اللحام، واستبدال لائحة مكتبة جلجامش بملحمة جلجامش، وتأتي النهاية مفجعة تحكي حكاية الكثير من السوريين حينما تسقط قذائف الغدر على أرجاء المنزل القديم لتسدل الستارة على حكاية وطن، فتستشهد في فنائه وبين أوراق الليمون الأم –لينا حوارنة- التي نزحت من القنيطرة وصمدت في وجه الرياح العاتية طيلة عقود، برمزية إلى كفاح المرأة السورية وصبرها على الزمن لتحافظ على كيان أسرتها.

ملده شويكاني

 

2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة