“طميمة” على خشبة المسرح

“طميمة” على خشبة المسرح

يعيدنا العرض المسرحي “طميمة” –شادي كيوان-عروة العربي-إلى بدايات الأزمة السورية، بحكاية تستحضر رموز تلك المرحلة، أصوات قصف، انقطاع الكهرباء، الحواجز التي حضرت لفظا، البرد الذي لا يوجد ما يوقفه من وسائل التدفئة، وغيرها من التفاصيل والرموز الأكثر حضورا حينها في حياة السوريين، من خلال حكاية ثلاثة أصدقاء تجمعهم علاقة صداقة قوية وقديمة، تجيء الحرب لتضعهم أمام خيارات ومصائر مختلفة، سيف –يزن خليل- وطارق–كفاح الخوص، كرم شعراني الذي قدم شخصية “حسام”؛ ليبدأ عقد الصداقة العتيقة بالانفراط رويدا رويدا.

طارق اختار اللجوء إلى ألمانيا، بينما انخرط حسام في الأعمال غير المشروعة، تلك التي ظهرت بشكل فاقع جدا في زمن الحرب، ليصبح من أثرياء الحرب، وواجهة لأحد أباطرتها، أما سيف فاختار الاختباء في بيته، خصوصا وأنه مطلوب للخدمة الإلزامية، فلا يغادرها إلا نادرا، ورغم وجود أنواع أخرى من الخيارات التي وضعت الناس بسبب الحرب نفسها أيضا أمام أقدار مهولة، وكان خيارهم الذهاب لمواجهتها، لكن الكاتب اقتصر على النماذج التي ذكرناها.

مفاجأة حسام ليس وقتها أبدا كما يُقال، فخطيبة صديقه طارق الذي أوصى سيف أن يعتني بها قبل سفره، يقع الأخير في غرامها، الوحدة والعزلة والحياة الباردة التي يحياها وحيدا في زمن الحرب، وخلافه مع الفتاة التي يحبها لسبب ديني، هيأت كل الأسباب لتضعه في هذا الموقف الصعب، ليلى أيضا بدورها ولأسباب مشابهة، تكن له مشاعر عاطفية لكنها تكبتها، وفي اللحظة التي تهم فيها ليلى بالمغادرة، بعد أن اعترف سيف لها بحبه، يطرق حسام الباب، ما يُحدث ارتباكا شديدا لهما، فتختبئ ليلى في خزانة سيف، تلك التي أغلق فيها نافذة غرفته الفقيرة، كما فعل الكثير من الناس خوفا من القنص، يدخل حسام وبيده زجاجة مشروب مبتهجا بكونه قام بتحضير مفاجأة لسيف في يوم ميلاده تتمثل بعودة طارق من ألمانيا، لكنه ولشوقه الكبير لصديقيه، يذهب وحسام إلى بيت سيف في يوم عيد ميلاده، يجتمع أصدقاء الماضي وتبدأ المكاشفات المتتالية لأحداث العرض، وتبدأ الحبكة في التصاعد التدريجي للأحداث حتى تصل ذروتها.

تنتهي سهرة الأصدقاء بعراك دام، فالكل خونة ولكن بطريقة مختلفة ومشغولة بمهارة من قبل الكاتب، وليذهب هباء كل ما فعله سيف من أفعال جنونية كي لا يكتشف الرفاق وجود خطيبة صديقه مختبئة في خزانته، وصلت حد طرد صديقيه بعد العراك الدامي الذي دار بينهم وانتهى إلى ما انتهى إليه من سفح ماء وجه الصداقة، وكشف الزيف الذي يغطيها.

يمضي طارق وحسام كل في سبيله، ليهرع سيف نحو الخزانة التي خبأ ليلى بداخلها، لكن المفاجأة الثقيلة كانت في عدم وجودها، بعد أن هربت من الشباك المخفي خلف الخزانة، ليترك المخرج النهاية مفتوحة على احتمالات رمزية مختلفة.

إلا أن خطأ تقنيا فادحا مرّ مرور الكرام دون معالجة، فكيف تهرب ليلى من الخزانة المغلقة من الطرفين كما هو مفترض، ووصلت للنافذة وهربت منها دون أن يشعر بها أحد؟ إلا إذا كانت الخزانة غير مغلقة والشباك يُفتح للخارج حصرا، وهذا ما لم يره الجمهور ولو رمزيا! تفصيل قد يراه البعض بسيطا، لكنه ليس كذلك، فليلى هربت أو رمت بنفسها منتحرة، أو تسلقت إلى مكان آخر-لا نعلم بسبب النهاية المفتوحة-من الشباك كما شاهد الجمهور عند نهاية العرض، ولكن كيف استطاعت فعل ذلك وهي مختبئة في خزانة مغلقة؟ وإن قلنا أنها استطاعت أن تهرب في فترة انقطاع الكهرباء، أيضا لن يبدو الأمر صحيحا، فالغرفة ضيقة ولو فعلتها في ذلك التوقيت الخاطف ما بين انقطاع الكهرباء، وإضاءة الغرفة بالشموع، لكانت بأقل تقدير ارتطمت بطارق الموجود في طريق هروبها الوحيد من الباب، وهي حتى إن استطاعت فعل ذلك، فما هو المغزى من الشباك إذا، الذي أدرك سيف والجمهور أنها هربت منه؟، وماهي النهاية الرمزية أو الواقعية أو غيرها للعرض، الذي انتهى كما أسلفنا بما يسمى بـ “النهايات المفتوحة”، التي تعمل على إشراك الجمهور في معرفتها أو تأويلها، كل حسب وجهة نظره ورأيه.

“طميمة” الاسم الذي يُطلق على لعبة من ألعاب الطفولة، قدر على جذب اهتمام الحضور، ففيه كل العناصر الجاذبة، الحكاية البسيطة، السينوغرافيا التي جاءت منسجمة فيما بينها وبين شكل تقديم الحكاية، الأداء الاحترافي العالي، خصوصا للفنان يزن خليل، عدا عن كون الحكاية مألوفة عند الناس، وخاضت عدة أعمال درامية متنوعة فيها، أصدقاء يجتمعون لتكشف الأحداث أنهم ليسوا كذلك أبدا، كما في عرض “العرس” لمؤلفه “بريخت”، الذي أخرجه “عوني كرومي” في تسعينيات القرن المنصرم كمشروع تخرج لدفعة من طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية، وكان الفنان عبد المنعم عمايري، قدم فكرة مماثلة في عرض “سيليكون”، الذي كان أيضا مشروع تخرج دفعة من طلاب المعهد نفسه، تشابه الموضوعات ليس أمرا يعيب العمل، فالمعالجة الدرامية والشكل الذي سيقدم به هي التي تشكل الفرق، فالفرق مثلا بين قصة”روميو وجوليت”، وقصة فيلم “التيتانيك”، هو المعالجة الدرامية للموضوع، والشكل الذي قدمت فيه الحكاية نفسها، ويمكننا باختصار شديد أن نلخص قصة “التايتنك” بكونها “روميو وجولييت” ولكن على ظهر سفينة، كما يمكننا أن نصف “طميمة” بكونها “العرس” مثلا، لكن بمعالجة درامية مختلفة وشكل تقديم مختلف أيضا، وثمة فرق آخر هو أن “طميمة” ليست مشروع تخرج، بل عرض مسرحي من عروض المسرح القومي لعام 2019.

العرض من إنتاج مديرية المسارح والموسيقا، ويُعرض حاليا على خشبة مسرح القباني.

تمّام علي بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة