“الهاجس اللغوي”.. جديد د. محمود السيد

“الهاجس اللغوي”.. جديد د. محمود السيد

 

اختار د. محمود السيد مفردة الهاجس عنواناً لكتابه الجديد”الهاجس اللغوي” الصادر عن وزارة الثقافة– الهيئة العامة السورية للكتاب، أطلق فيه مصطلح الأمن اللغوي، وبالتأكيد أثار لدى القارئ تداعيات بأفكار طرحها تؤكد علاقة الأمن باللغة؟ وبأن اللغة جزء من الأمان الحياتي الذي ننشده؟ وثمة علاقة بين اللغة والسياسة والهوية؟ ليصل إلى أن السياسة جسر عماده الثقافة؟ فبدأ من الفعل أمن بمعنى اطمأن وسكن قلبه ولم يخف، ورأى أن الأمن يمثل عنصراً أساسياً من عناصر التنمية البشرية في منظورها الشامل، والأمن الثقافي العربي مطلب هام للحفاظ على الكيان العربي والهوية، واللغة تعد خط الدفاع الأول للأمن القومي العربي، والأمن اللغوي المقوم الأساسي لتحقيق الأمن الثقافي من خلال الحفاظ على التراث من جيل إلى جيل. ويذهب د. السيد إلى أبعد من ذلك فالأمن اللغوي لايقل أهمية عن الأمن الغذائي والأمن المائي والأمن البيئي.
ويتوقف د. السيد عند تهمة مفادها” إن ثمة تزاملاً بين الإسلام والإرهاب، وأن الإسلام هو الإرهاب، وأن الإسلام هو العرب، والعرب هم الإسلام، ومن ثم فإن اللغة التي جاء بها الإسلام وبها نزل نصه المقدس تحمل في كيانها بذور العنف ومنابت البغضاء”، وقد فند هذه التهمة وأكد بأن محاولات وصم اللغة العربية بهذه السمة هي استمرار للمحاولات التي تعرضت لها أمتنا في القرن العشرين على أيدي بعض المستشرقين، ورمت إلى الدعوة إلى الكتابة بالأحرف اللاتينية وباللهجات العامة لتفتيت اللغة القومية والذات والهوية والسيادة والأرض، ليخلص إلى أن ثمة ارتباطاً بين السياسة واللغة والهوية، والسياسة جسر عماده الثقافة.

اللغة الرسمية
وتناول الكاتب دعوة اليونسكو إلى التنوع اللغوي وإلى الحفاظ على لغات الشعوب، واستعرض الدراسات التي قامت بها بأن عدد اللغات المكتوبة يصل إلى 500 لغة، وعدد اللغات التي لها تراث أدبي يصل إلى مئتي لغة، ومن بينها سبع عشرة لغة ينطق بكل واحدة منها أكثر من خمسين مليون نسمة، والعربية واحدة، وتوقف عند سياسات التخطيط اللغوي على الصعيد العالمي وتركز على محاولة إزالة كل اللغات باستثناء لغة واحدة تعد اللغة القومية الرسمية، والاعتراف بالتعددية اللغوية والمحافظة على اللغات الأساسية في إطار الدولة، والاعتراف بلغتين رسميتين تتوافقان مع التركيبة اللغوية.
وعن الواقع اللغوي في أمتنا العربية يؤكد د. السيد على أن الفرق بين اللغة الأم ولغة الأم شاسع، فلغة الأم قد تكون إحدى اللغات التي تتكلمها بعض الفئات التي تعيش على الأرض العربية ومنها اللغة الكردية والأمازيغية، وقد تكون إحدى اللهجات العامية، أما اللغة الأم فهي اللغة العربية الفصيحة الجامعة والموحدة والموحَدة على الصعيد العربي وهي لغة القرآن الكريم ولغة التراث.

حماية اللغة العربية
واستحضر المؤلف الإجراءات التي اتخذتها بعض الحكومات العربية لتوفير ودعم الأمن اللغوي، بوضع قوانين لحماية اللغة العربية، ودائماً سورية في الصدارة، فأول قانون صدر لحمايتها في سورية بعد حصولها على الاستقلال، وصدر قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية في العراق عام 1977، وصدر في الأردن قانون حماية اللغة العربية عام 2015، ومشروع تطوير اللغة العربية في دولة الإمارات بمبادرة من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ظهرت في إمارة –أبو ظبي- بالبيان الصادر عن أكاديمية اللغة العربية في 2009، ثم أصدر حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عام 2012 مبادرة ميثاق اللغة العربية، إضافة إلى دول أخرى، كما تطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها جمعيات أهلية لحماية اللغة العربية مثل جمعية لسان العرب في مصر التي أنشئت عام 1992 وجمعية فعل أمر في لبنان التي تأسست بمبادرة من ناشطين في المجتمع المدني عام 2009، وغيرها.
وتتجلى رسالة د. محمود السيد بتوجيهات لتحقيق الأمن اللغوي في الدول العربية تتلخص بمسارين الأول بأنه على الحكام والمسؤولين أن يكونوا قدوة أمام الآخرين بالالتزام بالعربية السليمة، ومثالاً في تطبيق القانون، وأن تسعى الدول العربية التي لا قانون للحماية فيها إلى وضع هذه القوانين أسوة بدول العالم.
والمسار الثاني لايقل أهمية عن الأول بالوعي اللغوي في عقول أبناء الأمة كي يكونوا على قناعة وإيمان بأهمية اللغة القومية، ودورها في الحفاظ على أهمية الأمة وذاتيتها الثقافية.

لجنة التمكين
كما تضمن الكتاب البالغ قرابة ثلاثمئة صفحة من القطع الكبير تقريباً الكثير من المحاور التي ارتبطت بقضايا اللغة العربية، والتي ناقش د. السيد بعضها في الندوات التي يشارك بها مثل الدور الذي تقوم به لجنة التمكين للغة العربية في سورية التي يرأسها د. محمود السيد ولها فروع في المحافظات وفي كل الوزارات والمؤسسات، والتجديد اللغوي لعلوم اللغة العربية والتنسيق اللغوي لاسيما التنسيق في المنظومة التربوية والإعلامية وعلى الشابكة، والتخطيط اللغوي في مواجهة التحديات التي تواجهها لغتنا العربية، ولعل أخطرها تفشي العامية.
ويختزل ما دوّنه د. السيد عن الشاعر نزار قباني واقع اللغة العربية وتاريخها وقدسيتها وعظمتها:
إني أحبك كي أبقى على صلة بالله بالأرض بالتاريخ بالزمن

ملده شويكاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة