كيف سينزل أردوغان عن الشجرة؟

كيف سينزل أردوغان عن الشجرة؟

كثيرة هي الآراء والكتابات التي تناولت السلوك الإشكالي لرئيس النظام التركي على المستويات المحلية، والإقليمية والدولية، حتى يمكن أن يصح القول: إن أردوغان بالإجمال يكاد يكون عدو العالم كله.

ويجمع أغلب المتابعين على أن الرجل يصدر عن سلوك غير سليم ليس سياسياً فقط بل عقلياً ووجدانياً، وكأنه يعيش حالة عصاب مزمنة تبدأ من التوتر، والتسرّع، إلى افتقاد المصداقية، وصولاً إلى الإضرار بمصالح الجميع بمن فيهم الشعب التركي نفسه، وحتى حزبه الذي لم يعد يمكّنه من الاستبداد به.

لذلك تكثر التحليلات بين مرحلة وأخرى من مراحل سياساته المتناقضة والمتهوّرة، والتي تتناول فكرة أو مبدأ نزوله عن الشجرة التي يصعد متسرّعاً إلى أعلاها، ولا يتمكن من النزول سليماً إلا بعد الاعتذار، والالتفاف، والمذلّة أيضاً التي يعرّض نفسه ونظامه إليها على نحو ما نعرف من سعيه إلى إعادة علاقاته مع الكيان الصهيوني بوساطة أمريكية بعد حادثة السفينة “مافي مرمرة”، والأمر نفسه من تقديم الاعتذار بعد إسقاطه الطائرة الحربية الروسية.

والآن… في المسألة السورية، فإن الشجرة التي صعد أردوغان أعلاها بمكر وخبث وأحقاد، ليست كالأشجار السابقة، بل هي شجرة الزقوم لـِ “أنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين”، وسيكتب التاريخ، وستقرأ الأجيال الطالعة والقادمة عند مختلف الشعوب سجلّ جرائمه المرتكبة بحق الشعب السوري بكافة قطاعاته، حتى مع الذين ضلّلهم وغدر بهم بعد أن استثمر في وعيهم ودمائهم ومصيرهم.

أردوغان لم يخطىء فقط مع نظام سياسي، ولا مع مؤسسات  الدولة الوطنية السورية فحسب، بل مع شعب بأكمله، شعب يختزن للحاضر والمستقبل في ذاكرته كثيراً من الآلام المريرة الناجمة عن جرائم الرجل الذي يرى بأم عينيه الماكرتين ما اقترفت يداه الملطّختان بدماء السوريين جميعاً، وكم سيكون النزول عن الشجرة عليه عسيراً وهو يسمع أنين آلاف الأمهات الثكالى، والنساء الأرامل، والأطفال اليتامى… بعد أن فتح حدوده الطويلة، ومطاراته العديدة، وبنوكه لاستقبال المليارات من فائض البترودولار – باعتراف وزير خارجية قطر السابق – لدعم العصابات الإرهابية المجرمة التي تدفّق 70٪ منها عبرَه.

بعد هذا الدمار والدم الذي سببه لجميع السوريين، يتحدث المجرم ويتشبّث بطرح “المنطقة الآمنة” ويتلاعب بتذبذبات الطرح مرة مع الأمريكان، وأخرى في لقاءات أستانة… إلخ انطلاقاً من أن مفهوم “الآمنة” لديه مبني على دماء الآخرين، وكرامتهم واستقلالهم ووحدة أراضيهم، فعليه أن يدرك أن الآمنة التي يرغب فيها ضارة لجميع الأطراف، ولن تكون آمنة لأحد لأنها تتعارض مع الشرعية والقانون الدولي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فلطالما كان للرجل تفسيره الخاص والمخاتل للجماعات الإرهابية التي اتفقت على تحديدها وتعريفها القرارات الأممية ذات الصلة، ولقاءات جنيف وفيينا وسوتشي وأستانة، فيرى أن المقصود بها الجماعات الكردية فقط، ولذلك يعمد إلى تغيير مسمّيات العصابات الإرهابية المحددة عدة مرات على غرار ما تم بتسمية جبهة النصرة الإرهابية.

ربما… يجد أردوغان في قمة أستانة الثلاثية أول أمس سلّماً مناسباً للنزول عن “الشجرة الملعونة”، ودرجات هذا السلم واضحة من البيان الختامي للقمة ولا سيما في تأكيده على “رفض محاولة خلق وقائع جديدة في الميدان تحت عباءة مكافحة الإرهاب”، وفي المبادىء المهمة التي أكد عليها الرئيسان روحاني وبوتين.

وفي الوقت الذي لم يستطع الرجل التعليق سلبياً على ذلك، إلا أنه راوغ كعادته حين قال: متفقون في سعينا للتوصل إلى اتفاق يحفظ “الوحدة السياسية” لسورية وسلامة أراضيها، فأية وحدة سياسية هذه؟!. فالسوريون ينشدون وحدة سياسية واجتماعية وفكرية وروحية.. إنها الوحدة الوطنية لا غيرها.

من المفروض أن ينزل الرجل بنفسه عن شجرته الملعونة تلك، وقد اتسعت مساحة عريّه وعيوبه، وعليه أن يعتبر من هذا الصمود الناجز والمستمر، وأن يعتذر أيضاً “كعادته”، وألا يطيل التفكير في سُبل ذلك، فها هو الحبل يحيط بعنقه، بل الحبال.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة