وكانَ شجرٌ.. وكانَ ماء

 

د. نضال الصالح

لا شجرةٌ أستظلّ بضفائرها، أو تأوي روحي إلى تفّاحها، فأثملَ بخطيئة الحياة. ولا سراب ماء يخاتلني، فيهدأ الغليلُ في رئتيّ. ولا غيمتي أوفتْ بوعدها باللقاء، فأقطف من أبيضها زاداً لمعناي. ولا الجليلُ هنا، ليكتملَ نقصي الضالّ، ويتجلّى لي وجودٌ. يبابٌ، ووحدةٌ، ووحشةٌ، واغترابٌ، وحنينٌ لأزمانٍ مضت، وأخرى ستأتي، ولمدينةٍ، ومدنٍ، كانت، ومدينة، ومدنٍ ستكون، ولصبيّةٍ، ذات صباحٍ في طريقها إلى المدرسة، كنتُ أهديتُها وردةً، فتلعثمَ وردُها بالوردِ.
مُفرَداً، ومعذّبَاً باليباب واليباس، كنتُ أستعيدُ صورةَ الورد وهو يتلعثمُ بالورد، صورةَ تلكَ الصبية، آنذاك، وهي، بخفَرٍ، تُدني الوردةَ من أنفها، فتتعطّر الوردةُ بأنفاسها، ثمّ، بخفَر أشدّ، تدسّها في صدرها، ثمّ يمضي الصباحُ إلى غير شأنٍ له، ثمّ تمضي الصباحاتُ إلى غير شأنٍ لها، ولا تبرحُ الروحَ ثلاثةٌ: الصبيةُ، والوردةُ، وذلك الصباح.
ومُفْرَداً، ومعذّبَاً باليباب واليباس، كنتُ أستعيدُ ما وقرَ في الشغاف من الحكايات عن الإنسان الذي ينتمي إلى الإنسانِ، وعن القلب الذي له حقيقةُ القلب، وإذْ تبدأُ أمطارُ الحكايات نشيدَها العُبابَ عن أعرابية كانت وصفتِ العشقَ بالقول: “جلَّ واللهِ عن أن يُرى، وخفيَ عن أبصار الورى”، تورقُ أغصانُ الحكايات بوردٍ سبحانَ حُسْنه، فيحكي إبراهيم الخليل لي، يقولُ إنّه من شدّة حبّه لسارة، عاش معها ثمانين حولاً وهي لا تنجبُ، ولم يذهب إلى امرأة سواها إلا بعد أن ألحّت عليه أن يفعلَ كي تكونَ له ذرّيةٌ، وعندما أنجبتْ هاجرُ، واستعرتْ نار الغيرة في سارة، امتثلَ لإرادتها، فرحلَ، وهاجرَ، إلى الشام، وظلَّ يزورها كلّ يوم في مكّةَ على البُراق.
صورةُ الوردِ وهو يتلعثمُ بالوردِ تلحُّ، وأنا لا بُراقَ لي فيعيدني إلى ذلك الصباح الذي كانَ، وما كدتُ أستعيدُ ما كانَ السهروردي أبرقَ ذاتَ برْقٍ في القلب: “أبداً تحنُّ إليكمُ الأرواحُ”، ثمّ ما كدتُ أبلغُ برقَه: “وارحمتاه للعاشقينَ تكلّفوا، سترَ المحبّةِ والهوى فضّاحُ”، حتى ازدادَ افتضاحُ ورْدي، وحتى اشتدّ عصفُ الثلاثة فيّ ومني: الصبيةُ، والوردةُ، وذلك الصباح.
وبينَ طمأنينةِ عصْفٍ وبرْقِ آخرَ برعمَ بالحياة، بين يديّ، كتابٌ، فقرأتُ على غلافه: “كتابُ الإنسان”، ثمّ في طيّه أنّ أبا العبّاس السفّاح كانَ، يوماً، مُشرفاً على صحن داره ومعه، أمّ سلَمَة، امرأتُه، يتحادثان، فعبثتْ بخاتمها، فسقطَ من يدها، فألقى السفّاحُ خاتمَه أيضاً. فقالت: يا أميرَ المؤمنين، ما دعاكَ إلى هذا؟ قال: خشيتُ أن يستوحشَ خاتمُك، فآنستُه بخاتمي غيرةً عليه من انفراده”.
وما كنتُ مُفْرَداً، ففيما كنتُ أقرأُ، وأسمعُ، وأرى، وأنشدُ، تفتّقَ المدى عن ورْدٍ لا يشبههُ ورْدٌ، ثمّ.. ثمّ لم أكدْ أستعيدني من جوى دهشةٍ أفلتتْ من دهشةٍ، حتى افترَّ الوردُ عن صبايا مُترفَاتٍ بحُسْنٍ لا يبلغه حُسْنٌ، وفتنةٍ لا تنادُدها فتنةٌ، وقرأتُ على أثوابها الدمقسِ: دمشقُ، حلبُ، اللاذقيةُ، حمصُ.. فكانَ شجرٌ، وكانَ ماءٌ، وكانت الغيمةُ، وكانَ الجليلُ، وكنتُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى