“في حضرة باب الجابية”.. رواية المهمشين والفقراء

كانت رواية “في حضرة باب الجابية” للكاتب أيمن الحسن والصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب، محور حديث ندوة البرنامج الإذاعي”كاتب وموقف” التي يديرها الإعلامي عبد الرحمن الحلبي بمشاركة د.عاطف البطرس والكاتب عماد الدين إبراهيم وهي من الروايات التي تعود بالقارئ إلى مرحلة الستينيات من القرن الماضي من خلال باب الجابية الذي كان مقصداً للعمال العاطلين عن العمل والذين يجلسون على الأرصفة بانتظار من يطلبهم للعمل، مصوراً حالة القهر الاجتماعي الذي يعيشه هؤلاء من خلال طفل البسطة الذي يعمل مع أبيه أبو طنوس بائع القهوة والشاي مبتور الساق والذي تسحره أغنيات فريد الأطرش.

أبناء الوطن

لم ينكر أيمن الحسن في حديثه عن الرواية أنه في مرحلة من المراحل كثيراً ما كتب عن طفولته القاسية بسبب ظروف الفقر التي عاشها، فكان من الطبيعي أن يتحدث عن الفقر والفقراء في روايته، وخاصة أولئك الذين كانوا يقصدون باب الجابية بحثاً عن العمل في فترة الستينيات وما زالوا، مبيناً أنه علينا أن ننظر إلى هؤلاء نظرة أخرى ونسعى لتحسين ظروفهم لأنهم أبناء هذا الوطن الذين ينتمون إليه بصدق، فكانوا في الرواية  وعلى الرغم من كل ما يعيشونه من فقر وحاجة يطربون لكل انتصار تحققه الأمة ويحزنون لكل نكسة تصيبها ويهللون لكل عملية فدائية يقوم بها المقاوم في أمتنا.

نقلة نوعية

أما الكاتب والناقد د.عاطف البطرس فقد أكد في مشاركته أن المسافة الفنية كبيرة جداً بين رواية أيمن الحسن السابقة “دفاتر الزفتية” وروايته “في حضرة باب الجابية” سواء على صعيد بنية الرواية والأسلوب ومن حيث المهارات الفنية التي امتلكها عبر السنوات العشر الفاصلة بينهما، واضعاً البطرس الرواية في خانة رواية السيرة الذاتية، وهي ليست سيرة ذاتية، والفرق برأيه كبير بين الأولى والثانية لأن رواية سيرة ذاتية تلتزم بالواقع التزاماً دقيقاً بينما رواية السيرة الذاتية والتي تعتمد على العنصر السِّيَرِي لا يوجد فيها هذا الالتزام، فطفل البسطة مثلاً في الرواية هو المؤلف، ولكنه ليس هو تماماً بل مضافة إليه أبعاد أخرى من مخيلة الكاتب، مشيراً  البطرس كذلك إلى النقلة النوعية التي حققها الحسن في هذه الرواية على صعيد اللغة التي استطاع أن يُعَبِّر فيها عن موضوعه ومحتوى العمل بلغة تقترب كثيراً من الشعر،حيث برع الكاتب في اللغة الوصفية، وخاصة في وصف الطبيعة مستفيداً مما امتاز به من مهارة في القصة القصيرة التي برع بها لتبقى الميزة الأبرز لرواية الحسن برأي البطرس عدم وجود بطل فردي، حيث استطاع أن ينتقل فنياً من الواحد إلى المتعدد ليكون بطل الرواية مجموعة من البشر وباب الجابية كمكان اتَّسَعَ لكل أبناء سورية الذين قصدوه للعمل وهم يعانون الفقر والحاجة، وهذا ما جعله يلمسُ في الرواية جانباً ملحمياً يعتمد على المجموعاتَ لتعد الرواية برأي البطرس مدوّنة وطن لأن من يطّلع عليها وهي مدعمة بالوثائق والبيانات سيستحضر فترة من تاريخ سورية، موضحاً أن الحسن في “في حضرة باب الجابية” كما في “دفاتر الزفتية” يتجه إلى الأمكنة ليصنع منها حكايات، ففي روايته “دفاتر الزفتية” تحدث فيها عن منطقة في أطراف دمشق، وفي روايته الثانية تحدث عن باب الجابية التي فيها مقاطع موجعة ومؤلمة ومحزنة، مشيرأ البطرس إلى أن الكاتب برع في تسليط الضوء على تلك العلاقات الإنسانية التي كانت تربط شخوص الرواية، إضافة إلى قصص الحب الجميلة.

الأدب الواقعي

ورأى القاص والإعلامي عماد الدين إبراهيم أن الرواية تندرج في إطار الأدب الواقعي الملتزم بقضايا الفقراء والمهمشين وتنطبق عليها مقولة الروائي عبد الرحمن المنيف “الرواية تاريخ من لا تاريخ له”.. والحسن برأيه قد أرّخ في روايته للفقراء الذين يجلسون على أرصفة باب الجابية بدمشق وقد صاغها بشكل جميل، مشيراً إلى أن ما لَفَت نظره فيها وجود الأغنية بكل ألوانها، منها ما يصف الطبيعة ومنها ما يصفُ حال العمال، فكانت حاضرة وبكثافة لتحل في كثير من فصولها محلّ الشخصيات وقد وظفها الحسن خير توظيف كدافع للسرد إلى الأمام ولتحفيز الشخصيات على البوح والاسترسال، منوهاَ إبراهيم إلى أن الأغنية واحدة من وسائل التأثير على الحوادث وبناء إحدى المكونات السردية في الرواية، لافتاً الانتباه إلى أن الأغنية الوطنية كانت حاضرة في الرواية وهي تعبّر عن انتماء هؤلاء الفقراء لوطنهم، في حين غابت الأغنية الثورية وكذلك البطل الثوري الذي يطالب بتغيير الواقع، مشيراً كذلك إلى أن الرواية حَفَلَت بنماذج متعددة من البشر، فكان فيها الإنسان الأُمّي وكذلك المثقف (عادل الصحفي) مؤكداً أن الرواية كوَّنَت ملمحاً خاصاً في المشهد السوري، معتقداً أنه سيُستَشْهَدُ فيها في المستقبل على صعيد تناولها للمكان وتطرقها لطبقة الفقراء والعمال الذين يبحثون عن فرصة عمل، موضحاً إبراهيم أن إبداع الحسن في مجال الرواية ليس جديداً، لذلك جاءت روايته”في حضرة باب الجابية” جميلة بكل المقاييس، تجذب من يمسكها إلى القراءة، وقد استرعى انتباهه فيها عنوانها وقدرة الحسن على استنطاق أحلام الفقراء والحديث عن متاعبهم  ومشاكلهم، حيث الجميع يقع تحت وطأة الفقر وقد خلت من أي عامل للتغيير عكس روايات حنا مينه التي كان فيها دائماً البطل الثوري الذي يريد أن يُغَيِّر مجتمع الصيادين. مبيناً إبراهيم في ختام كلامه أن الرواية حققت حضور كبيراُ في المشهد الروائي وسيكون حضورها مميزاً في الدراسات النقدية مستقبلاً لأنها رواية مميزة بالأمكنة والشخصيات والمقولات .

أمينة عباس

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى