استيراد الحطب.. حــــل بديــــل للتدفئــــة.. وحـــل لمعالجـــة الإتجـــار غيـــر المشـــروع بالمــــــازوت

استيراد الحطب.. حــــل بديــــل للتدفئــــة.. وحـــل لمعالجـــة الإتجـــار غيـــر المشـــروع بالمــــــازوت

لا شك أن تأمين مواد التدفئة يتصدر أولويات الأسر السورية مع اقتراب الشتاء والبرد، وتتنوع أهمية ذلك بحسب المناطق، وانخفاض درجات الحرارة، وإمكانيات المواطنين، وإمكانية تأمين تلك المواد، سواء المازوت أو الحطب، خاصة أن هناك قناعة عند المواطن بأن تأمين حاجته من مازوت التدفئة هو مستحيل إضافي انضم للمستحيلات الثلاثة، وباتت قناعة المواطن راسخة بأنه من المستحيل توزيع حاجة المواطن ولو كانت بالحد الأدنى من مادة المازوت، ويا “مواطن دبر تدفئتك”، وقد يكون أحد الحلول أمام المواطن التوجه نحو التدفئة بالحطب، فكانت الثروة الحراجية هي الضحية هذه المرة، فما هي إذاً الحلول أمام المواطن؟.

الحساب السحري
بعملية حسابية بسيطة فإن عملية توزيع 100 ليتر من المازوت لأغراض التدفئة على كل أسرة في المحافظة تتطلب على أقل تقدير ستة أشهر، باعتبار أن إجمالي عدد الأسر الحاصلة على بطاقة تكامل “الذكية” وفقاً لأرقام الشركة ذاتها يبلغ /121/ ألف أسرة على مستوى المحافظة، وعدد الطلبات الواردة للمحافظة يومياً من مادة المازوت لأغراض التدفئة يبلغ حالياً ثلاثة طلبات أي /60/ ألف ليتر، وبالتالي فإن عدد الأسر التي تحصل على المادة يومياً هو /600/ أسرة، وإذا ما قسمنا إجمالي عدد الأسر الحاصلة على البطاقة الذكية وهو /121/ ألف أسرة على عدد الأسر التي يمكن أن تحصل على المازوت يومياً وهو /600/ أسرة، فإن عدد الأيام التي تحتاجها عملية توزيع كمية الـ / 100/ ليتر على جميع الأسر في المحافظة يبلغ نحو /200/ يوم، أي أكثر من ستة أشهر.
وإذا كانت عملية التوزيع قد بدأت مطلع شهر أيلول الماضي، فإن عملية الانتهاء من توزيع الدفعة الأولى وهي /100/ ليتر لن تتم قبل نهاية شهر شباط القادم، وبالتالي يكون قد مضى موسم الشتاء، حيث إن الكمية المطلوبة لتوزيع / 100 / ليتر على جميع الأسر التي لديها البطاقة الذكية تبلغ حوالي /12/ مليون ليتر، أي / 600/ طلب، وبالتالي فإن المحافظة بحاجة لنحو /7 / طلبات يومياً لأغراض التدفئة كحد أدنى لإنجاز عملية توزيع الـ /100/ ليتر قبل نهاية العام الجاري.
ووفقاً لمدير محروقات السويداء، فإن عدد طلبات المازوت الواردة للمحافظة يومياً يبلغ حالياً /13/ طلباً، بينها ستة فقط للتدفئة، والباقي يذهب لتغطية احتياجات الفعاليات والدوائر الخدمية بالمحافظة من مياه، وخدمات فنية، وزراعة، وصحة، ومخابز، واتصالات، وشرطة، وحرفيين، وفلاحين، بالإضافة لشركات القطاع الخاص، والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت عملية توزيع الـ /100/ ليتر تحتاج إلى ستة أشهر على أقل تقدير، هذا إذا اعتبرنا أن المادة سترد للمحافظة يومياً دون أيام عطل، فكم من الوقت ستستغرق عملية توزيع الـ /400/ ليتر على الأسر في المحافظة؟!.

التدفئة بالحطب
وفي ظل عدم ثقة المواطن بتأمين حاجته من مازوت التدفئة، تبرز أهمية التوجه نحو مصدر جديد، وقد يكون الحطب هو الواجهة المناسبة للمواطن في حال تم تأمين المادة من قبل المستوردين، حيث تعتمد الكثير من الدول على هذا المصدر، ففرنسا تحتل المرتبة الأوروبية الأولى من حيث استهلاك الحطب للتدفئة البالغ 28,7 مليون متر مكعب، أي ثلث استهلاك الاتحاد الأوروبي، تليها حسب الأهمية ألمانيا، وايطاليا، والسويد، والنمسا، وفنلندا، ورومانيا، وتستهلك هذه الدول السبع 63,9 مليون متر مكعب، أي ثلاثة أرباع الاستهلاك في الاتحاد الأوروبي المتكوّن من 28 بلداً.
ومن المعروف قديماً أن الحطب يتربع على عرش التدفئة في المناطق الجبلية، لأنه قادر على تدفئة مساحات كبيرة، يعجز المازوت عن تدفئتها، لذلك فإن رغبة فوزات الذي يقطن في بلدة مفعلة الجبلية هو الاستمرار في التدفئة على الحطب حتى لو تم توفير مادة المازوت، حيث يقول: إن الحطب وحده كفيل بتحويل البرد إلى دفء، حيث يعتمد فوزات على تأمين جميع أنواع الحطب: “تفاح، أجاص، زيتون، سنديان”، فكل ما يمكن إشعاله يمكن اقتناؤه، وهو يعمل على تأمين حوالي 4 أطنان من الحطب في بداية فصل الشتاء.
أما أبو ربيع فهو يعمد إلى استعمال “الجفت” عند انتهاء الحطب، والجفت عبارة عن مخلفات عصر الزيتون، ويستعمله الكثير من الناس لأنه فعّال بدرجة كبيرة، وسعره منخفض مقارنة مع الحطب والمازوت، لكنه لا يضاهيهما فعالية.
ويروي محمد، صاحب إحدى معاصر الزيتون، أن الطلب على الجفت مرتفع، حيث إن كميات الجفت المنتجة في المعاصر لم تكن تكفي حاجة طالبيها، خاصة في المواسم التي لا يوجد فيها إنتاج وفير، ويجد أن تلك المادة ساهمت بشكل فعلي في حل جزء من أزمة المحروقات، وتشكّل بديلاً جيداً لمادة المازوت لجهة خصائص التدفئة والسعر.

مزايا التدفئة بالحطب
تشير الدراسات إلى أن كمية ثاني أكسيد الكربون الناجم عن احتراق الحطب هي الكمية نفسها التي اختزنتها الشجرة أثناء نموها، وبالتالي فإن التدفئة بالحطب لا تزيد من هذا الغاز، بل إن الشجرة، وإن لم تستغل بالتدفئة، ستعيد بعد موتها هذه الكمية إلى الخارج، لكن التدفئة بالحطب ليست حيادية إلى هذه الدرجة، إذ تنجم عنها غازات أخرى كأكسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت.
يقول الدكتور وائل بكري، وهو أحد مشجعي استيراد الحطب وتوزيعه عن طريق مؤسسة عمران تقسيطاً على الموظفين: النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري تتناقص بالاستهلاك ولا تعوض بل تنضب، أما طاقة الخشب فهي متجددة، لكنها تختلف عن الطاقة الشمسية التي لا تهبط بالاستخدام، بمعنى آخر حتى تكون طاقة الخشب متجددة لابد من العناية بالزراعة، خاصة التشجير، وهذا ما يفعله الأوروبيون، ولذلك تزداد مساحة الغابات سنوياً في الاتحاد الأوروبي بنسبة 0,5% منذ عشرين سنة، ويقود هذا الوضع إلى زيادة الإنتاج فتتقلص التبعية الطاقية.
الميزة الرئيسة للتدفئة بالحطب، حسب بكري، رخصها مقابل المصادر الأخرى للطاقة في حال تم تأمينها محلياً، أو عن طريق الاستيراد من الدول التي تتوفر فيها كميات كبيرة من تلك المادة، طبعاً بشرط تقديم مزايا وإعفاءات جمركية للمستوردين.
مدير فرع مؤسسة عمران في السويداء ياسر ملاك بيّن إمكانية قيام الفرع ببيع الحطب تقسيطاً وفق الأنظمة المعمول بها في المؤسسة في حال تم تأمين المادة عن طريق المستوردين، لافتاً إلى أن ذلك سيحقق إقبالاً كبيراً، ويساهم في حل جزء كبير من مشكلة تأمين مازوت التدفئة.
قطع جائر
طبعاً في الحديث عن التدفئة بالحطب تقفز مباشرة إلى الذهن المأساة الكبيرة التي تعرّضت لها الثروة الحراجية في المحافظة جراء القطع الجائر والعشوائي، حيث تم ضبط العديد من المخالفين، وحجز ومصادرة الآليات والمعدات، وبلغ عدد الضبوط الحراجية منذ بداية العام 47 ضبطاً حراجياً، نتجت عنها مصادرة 3610 كغ من الخشب الصناعي، و641 كغ من الحطب الوقيد، حسب رئيس دائرة الحراج في مديرية الزراعة في السويداء أنس أبو فخر الذي تحدث عن اتخاذ جملة من الإجراءات الضرورية لحماية الحراج من التعديات، وذلك بتكثيف الحراسة، وتعزيز النهج التشاركي مع المجتمع المحلي لحماية الحراج، وتسيير دوريات مشتركة مع فصائل محلية.
طبعاً من واجب دائرة الحراج اتخاذ مثل هذا النوع من الإجراءات، ولكن ماذا يفعل المواطن الذي يجد نفسه كل عام بين فكي البرد أو التعدي على الحراج، في ظل عدم توفير ربع حاجته من مادة المازوت في أحسن الحالات، أما الإجراء الأهم فهو التوجه نحو التشجير، وبناء الغابات التي تشكّل مستقبلاً مصدراً للحطب بشكل قانوني ومدروس، يشير هنا أبو فخر إلى أن دائرة الحراج قامت بوضع خطة لإعادة استصلاح المواقع الحراجية التي تعرّضت للقطع الجائر، حيث تمت إعادة تحريج 3 مواقع هي: (موقع عبدمار- وموقعا غابة العين، وغابة القريا) بالكامل، وتم العمل على حماية الأرومات الشجرية للأنواع الطبيعية كالسنديان لحمايتها من الرعي، ما يسمح باستمرار نموها، وإعادة تجددها طبيعياً، ويتم أيضاً إنتاج الأنواع الحراجية المختلفة بالمشاتل الحراجية لتأمين الغراس اللازمة لأعمال التحريج الاصطناعي، ودعم حملات التشجير التي يقوم بها المجتمع المحلي بالتنسيق مع دائرة الحراج لإعادة تحريج المواقع التي تعرّضت للتعديات.

ملك التدفئة
إذاً قد يكون الحطب بديلاً حقيقياً لمادة المازوت، وإن كانت فاتورة استيراده تعادل فاتورة استيراد النفط، إلا أن العديد من المزايا الإضافية التي يحملها تجعل إمكانية تأمينه غير خاسرة في حسابات معالجة الأزمة، فالحطب من أكثر الوسائل رغبة في المناطق الجبلية، وهو ملك وسائل التدفئة مهما بلغت شدة العواصف، وبالتالي فإن العمل الجاد لتأمين كميات من الحطب عن طريق الاستيراد قد يشكّل حلاً مهماً لمشكلة التدفئة التي أصبح ملفها ضاغطاً على المواطن والمسؤولين في الآن ذاته، طبعاً الأهم من ذلك كله أنه يساهم في معالجة الكثير من مظاهر الإتجار والتهريب والفساد التي ترافق ملف المحروقات كل عام.

رفعت الديك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة