أبو خليل القباني رائد المسرح السوري

أبو خليل القباني رائد المسرح السوري

 

 

ضمن سلسلة أعلام ومبدعون صدر كتاب “أبو خليل القباني” عن الهيئة العامة السورية للكتاب.
فالتاريخ يروي أن السوريين عرفوا المسرح منذ ما يزيد عن ثلاثة آلاف سنة، وما يدل على ذلك وجود مدرجات خلدت الملاحم التي أحياها السوري القديم لسنين طوال في تدمر وبصرى، ويدل التصميم الهندسي لهذه المدرجات على قدرة الجمهور على التقاط أية كلمة يلقيها الممثلون، كما يدل ما اكتشف من قصص وملاحم وأناشيد منقوشة على ألواح طينية، كانت تغنى في طقس تمثيليّ لآلهة الخصب على أن السوريين عرفوا المسرح منذ القديم، وهذا الأمر معروف لدى كل الأمم، لكن مع اتساع رقعة البلاد والتطورات التي حدثت في المجتمعات الإنسانية وصلوا إلى ما يعرف بالمسرح.
والمسرح المعروف في العصر الحديث في بلادنا وتحديداً في سورية كانت له بدايات مثل خيال الظل الذي يقوم على إلقاء خيالات على ستارة، يشاهدها المتفرجون فيجدون فيها المتعة والفائدة، هذا النوع من المسرح نشأ قبل نشأة المسرح، كان صاحب خيال الظل يعرض مافي جعبته من مسرحيات في خيام متنقلة أو في حواش مسوّرة بالخشب، وقد استمد خيال الظل موضوعاته من الأدب الكلاسيكي، وقد عرفت دمشق أشكالاً عديدة من الفرجة الشعبية منها “صندوق الدنيا” و”الحكواتي” ومن المعروف أن هذه الفنون الشعبية هيأت العقول والحواس للإقبال على فن التمثيل.
يعد أبو خليل القباني رائد المسرح العربي إذ تأثر بعروضه المسرحيون، مثل المسرح لديه حرية الكلمة والشجاعة في الرأي وهو الموسيقي الذي عرّفنا برقص السماح، وفي الكتاب الشهري لليافعين الصادر عن الهيئة العامة للكتاب قدمت هناء أبو أسعد هذا الكتاب بعنوان “أبو خليل القباني” وعن سيرته الذاتية كتبت: هو أحمد بن محمد آغا بن حسين آغا، الملقب بالقباني، ولد في دمشق عام 1833 من أسرة دمشقية عريقة، تعلم القراءة ومبادئ العلوم في أحد الكتاتيب ثم انتقل إلى إحدى المدارس الابتدائية، وفي بداية شبابه احترف مهنة القبّان، وفي هذه الأثناء كان ينّمي ميوله الموسيقية والغنائية، فاكتسب الكثير من أساتذته حتى أشادوا له بذلك.
ويعد أبو خليل القباني رائداً كبيراً من رواد المسرح والموسيقا، فهو المؤسس الأول لما عرف بالمدرسة الشامية التي اعتمدت على دمج التمثيل في الغناء والرقص، وعلى الرغم من طرد والده له من المنزل عندما رآه يرقص ويغني إلا أن أبا خليل لم يتردد في متابعة ماعزم في سره من العمل في المسرح وفنونه، واستأجر في وقت لاحق قطعة أرض في باب توما وراح يمرن رفاقه من هواة التمثيل لتقديم رواية “عائدة” التي بشرت بولادة مسرح القباني في دمشق، وكانت أول خطوة له نحو الاحتراف.

المسرحيات
قدم أبو الخليل القباني العديد من العروض المهمة مثل “ناكر الجميل” وقدم فيها الغناء والموسيقا والرقص، ومن بعدها ألّف رواية خيالية عاطفية أسماها “وضاح” قيل إنه ألفها في ثلاثة أيام، ولحنها ووزع أداءها على أصحابه، ومثلت في بيت احدهم على سبيل التجربة ثم مثلت في “كازينو الطليان” في باب الجابية. وقدم كذلك “مصباح وقوت الأرواح” ولاقى مسرحه استحساناً وإقبالاً كبيرين، وتابع الناس أعماله وحقق نجاحاً كبيراً، فقد كان مسرحه مكاناً ممتعاً، واستمتع الجمهور بمشاهدة مسرحيات “الأمير محمود نجل شاه العجم” و”عنترة بن شداد” و”السلطان حسن” و”أسد الشرى” و”كسرى أنو شروان” بالإضافة إلى المسرحيات الأدبية التي اقتبست موضوعاتها من التاريخ، وكان هو المؤلف والملحن والمخرج وهذا مادفعه لتطوير مسرحه، فاستعان بفتاتين من لبنان هما لبيبة ومريم لتقديم مسرحية “الشاه محمود.
وهكذا أصبح أبو خليل القباني مشهوراً يحضر الناس مسرحياته ويدعمونه إلى أن كتب مسرحية “أبو الحسن المغفل” التي قوّضت مسرحه، فقد ثار المشايخ عليه لظهور هارون الرشيد على المسرح في صورة أبو الحسن المغفل، فانقضّ عليه المتربصون به بتهمة أنه ينزع عن الشخصيات قدسيتها واتهموه بـ”البدعة والضلالة” والاستهانة بالحكام، وأنه يجعل الفتيان يقومون بأفعال الفتيات، وكانوا يرون في ذلك فسوقاً وخروجاً على قواعد الأخلاق.
وصل هذا الأمر إلى اسطنبول، فصدرت الأوامر من السلطان عبد الحميد بإغلاق مسرح القباني ومنعه من التمثيل عام 1880، فأحرقوا مسرحه ونهبوا بيته. ثم قرر السفر إلى مصر عام 1884 فكانت مرحلة جديدة وغنية في حياته، اصطحب معه بعض أفراد فرقته ومجموعة من العازفين، وعمل أول فترة في الإسكندرية.

في مصر
انتقل القباني إلى القاهرة واستأجر مسرح “البوليتياما” وبدأت عروضه المسرحية تتوالى مع إقبال جماهيري لا بأس به، ويذكر فرحان بلبل في كتابه “المسرح السوري في مئة عام: أن القباني قدم في الإسكندرية نحو خمسة وثلاثين حفلاً، قدم فيها مسرحيات عديدة”.
واستقبلت الصحافة ولاسيما جريدة الأخبار خبر قدوم فرقة مسرحية سورية إلى الإسكندرية، فقام صاحباها سليم وبشارة تقلا بالترويج لهذه الفرقة وأعلنت أسماء المسرحيات التي ستمثل وهي “أنس الجليس” و”نفح الربا” و”عفة المحبين” و”عنترة” و”ناكر الجميل” و”الخل الوفي” هذا الرصيد أعاد القباني عرضه أسبوعاً آخر معتمداً في نجاحه على إقبال الجمهور لرؤية مسرحياته التراثية الجادة، فانتقلت عروض القباني إلى مسرح زيزينيا الذي هو أمل الفرق المسرحية في الإسكندرية، وأضاف إلى رصيده عملين جديدين هما “الأمير محمود وزهر الرياض” ومسرحية “الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح”.
كان نجاح القباني في مصر مدعاة للغيرة والحسد، ففي عام ١٩٠٠ أُحرق مسرحه في القاهرة بينما كان يقدم عروضه في أقاليم أخرى، وتوقف نشاطه المسرحي وعلى الرغم من ذلك لم تحترق رسالته المسرحية التي تبنتها الفرق المسرحية الأخرى بعد وفاته بعشرين عاماً فمثلاً مسرحية “عنترة العبسي” استمر عرضها حتى عام ١٩٠٦.
جمان بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة