إبراهيم بركات جديد.. حياةٌ بعد الحياة

إبراهيم بركات جديد.. حياةٌ بعد الحياة

 

من بين الخراطيم وامتدادات المغذيات وحقن السيروم على سريره في مشفى القرداحة أشرق وجهه أمام ابتسامتي عند باب الغرفة، وكأنه يعيد علي سرد الروايات التي اشتركنا فيها دون أن نتفق، وليلقنني مزيداً من دروس الحياة.. رجل بطعم الزمن لفحته سنواته التي عبرت ثمانينها، وسربلني باحترام وتقدير وهداية لفلسفة النهايات، ومن قال إن كاماسوترا هو من أتقن دروس الحب، وهنا على أرض الشرق بحزنه وروحه وأصالته ولد الحب وولدت الحياة والكتابة واعتصرنا الحرف نسغاً بشرياً إنسانياً نخلد به أرواحنا..
إبراهيم بركات جديد.. يبدو أننا التقينا في حياة سابقة أو تالية، وكما تنقلت وجوه النساء على سطورك بغنجها في امتحان العشق، وكما رأيت نفسي بطلة معشوقة تلتحف الهوى نسمة صبح تنهمر عطراً وغيماً مشبعاً بالندى، رأيتني في عينيك في هذه اللحظة بكل طاقة الوداع على اجتراع الأوجاع..
لحظة بين الموت والحياة..لحظة بين عالمين.. لم أتمكن من ممارسة الحزن وأنت تبثني كل هذه الحميمية في اللقاء والتلاقي، وعرفت أنك قرأتني كما قرأتك، قد عرفنا وتعرفنا معالمنا المتشابهة، وإننا قد التحمنا بقرار إبداعي عنوانه “تحيا الحياة” قد نغادرها يا أبي وصديقي إبراهيم جديد، لكن فعلنا يستثمر بوح الأرض حين نكّن لها كل هذا الصدق.. سأكتب عنك رسالتي في بعث الوجود ويدك بين يدي نتلمس معاً بقية ما في صدرك من إرادة، وتومئ لي بعينيك أن أتناول كرسي وأجالسك قرب سريرك المكبل بكل تلك الأنابيب، وارتشفنا معاً حياةً من همسنا وليس من رذاذ الأكسجين الاستطبابي، نحن نعالج أرواحنا بمعجزة المحبة يا صديقي الروائي.. يا والدي الإنسان..
ستذكر صفحات الجرائد آخر حوار لنا، وسنكتب ذاكرتنا، وسيكتب لنا القدر، وحيث أنكم كينونة كاملة ولستم مجرد فرد آدمي، فقد تعرفت بكم لأكتب عن روايتين للأب الأديب “حياة متدرج” و”شجاعة امرأة”، وإذا بامرأة تقتحمني بطيبتها وصلابتها وأمومتها باتت حكماً حاضرة وأنا أكتب عنك هي تلك الأم زوجتك التي رأيت فيها أهم من روايات الغرب عن الأمهات، فنحن في هذا البلد امتحنا أمومتنا وعشناها واخترعنا المشاعر يا والدتنا جميعاً.. أصبحتم حالة أسرة وأهل وحكاية وموروث مورثاتنا السورية، إني إليكم أنتمي.. إنكم بعضي وأنا بعضكم وأنا الآن لا أكتب عنك نقداً أدبياً وإنما تغريبة وطنية وشرياناً إنسانياً متصلاً، أو لعله حبل وريد.. لا تلوموا عواطف النساء فإن سورية قلبها مؤنث والتأنيث حنان سورية في وجدان أمهاتها الصابرات صانعات الصبر، وكم نحيك صبرنا حكايات.
إبراهيم بركات جديد هي حياة بعد الحياة فقد جمعتنا البدايات والنهايات أدباً وروايةً رأيت فيها أبي وجدي، وقرأتك بداية، وشاء القدر أن أحضر النهاية، وشاء القدر أن تكون لي ولغيري بداية، وكما كتبت أنت عن ذلك المجند الفقير يرديه فقره آدمياً ويحث كرامته عنفواناً هو كل مافينا، وما تبقى لنا من ذلك العرق السوري الذي ينبض فينا، سيكتبون، وسأكتب أنا عنك، وحيث أني أكتب مجدداً أرشيف علاقتنا وهي ليست مجرد عبور صحفي على مادتك الإبداعية ولكني لابد أن أعيد استنهاض أبطال روايتيك في عملية دمج لتكون كلاً متواصلاً أتممهما بما عرفت منك في شهقات لحظات العطاء وشهقات المرض الذي منحنا بعداً متكاملاً من دخان سجائرك الملفوفة باليد، معطرة بتبغنا المحلي الذي استنزف أصابع عائلات وعائلات حمل كل معاناة ريفنا الحزين.
ياحزننا المتحد.. يا زفيرنا الكادح يا خبز الفقراء المعتق بأرواحنا.. وتعود لحظات الشرف المرصود على عتبة النكسة لتعود فدائياً في روايتك عن الحبيبة الشجاعة التي ختمت آلامها في الحب الممنوع بتضحية طوعية، وموت يشرف ويحض الحبيب على ذاكرته الوطنية، ويرسم التضحية برفقة عطاء الوجدان المقدس، وكم مر زمن على ذلك الزمن الذي لم يعد يكتب عنه أحد منذ انتقلنا إلى عولمة العالم الذي يجتهد لقتل قضايانا وحكايانا التي كانت يوماً كل ذاكرتنا.. وهكذا يحدث أن نلتقي على تلك الصفحات التي تتبعتها بشغف الكاتب وشغف الأنثى والحب الفطري الذي امتطيته خيالا مجنحا معك، وظلت زوادة ليراتك القليلة تطالعني برنينها طوال رحلتي مع سرديتك الصادقة.. ياصديقي ووالدي الروائي إني في حالة دهشة وارتكاس إنساني، وعلى ندم له سبب واحد فقط أني لم أكن عصباً من ذلك الزمن الأصيل لأرتب جراحي وأنضد كلماتي بجوار أوراقك التي تأخرت حتى اجتمعت وتأخرت أنها في تناولها جرعةً من عمق النشيج المتعاظم عن بلدي ومن بلدي، يارجلاً من بلدي يعلمني درساً في كل أصناف النزوح البشري.. لسنا ياسيدي بشراً نحن سنديان.
إبراهيم بركات جديد عضو شرف في اتحاد الكتاب العرب في سورية، أهديك كلماتي اليوم بكل ما استطعت من عجين إنساني يسيل في دمنا المتجانس حباً وحلماً وكرامة.
ميس الكريدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة