“الطفل يا حبيبي”.. حوار الأدب مع التربية

“الطفل يا حبيبي”.. حوار الأدب مع التربية

 

لا تستطيع أيها القارئ الكريم أيا يكن عمرك، أن تقرأ كتاب “الطفل يا حبيبي” لمؤلفته الكاتبة والمربية البرازيلية “سيسيليا ميرايليز”-1901-1964-إلا وأن تشعر برعشة بهية تكتنف حواسك فيما يدللها برهافة عالية؛ نص تفتح فيه الكاتبة، الكتاب الأنف الذكر مخاطبة فيه الطفولة، وهي تريد أن تتعرف عليه بداية، كما لو أنه أمامها، تقول في “أيها الطفل”: “ما اسمك؟ أين أنت؟ لا أعرف من تكون لكني أحبك/ دون أن أعرفك ألفّت هذا الكتاب/الذي أقدمه لك الآن/ لأني أريد أن أجعلك سعيدا”، ثم تدخل في حوار ذكي ورشيق تخاطب فيه وجدان هذا الطفل دون أن تقلل من قدرته الفعلية على المحاكمة العقلية البسيطة والفعالة، فهي تدخل في تحد طفولي مرح وذكي معه، تتابع: “فكّر بتلك المجهولة التي كتبت لك عن بعد، هذه الصفحات، أعندك جرأة أن تنساها؟ اسمع: أنت الآن تدخل إلى الحياة، روحك كنز من المحبة والحنان، أعطني قليلا من هذا الكنز”، ثم تطلب إلى قارئها الطفل أن يحتفظ بهذا الكتاب الذي خطته بأصابع شغفها لأجله، في قلبه، في المكان الذي: “سأجثو على ركبتيّ لأقبله”، خاتمة تلك المقدمة الأليفة كتفاحة حمراء في يد طفل.
هذه كانت بمثابة دعوة لطيفة لبداية عوالم أكثر خبرة ودراية في جوانيات الطفل، فالكاتبة أو الشاعرة التي تُعتبر من أهم الشاعرات في اللغة البرتغالية، لم تأتِ إلى الكتابة من حياة شخصية متشظية دواخلها، ليكون نتاجها خليطا عاطفيا كنشيج طويل بلا معنى، لكاتبة عالقة بين مراجيح الأمس وأحلام يقظة الغفلة، بل هي مختصة في التربية، ولها فيها باع طويل، وإلا لما تصدت لكتاب يحمل هذه الموضوعة “التربية الأدبية” للشريحة الأصعب وهم الأطفال، والذي جاء على شكل نصوص مفتوحة، حمل كل عنوان منها مفتاحا لباب سحري، ستلج منه جنية الحكايات هذه، إلى أحلام الطفل “حبيبها”، فهي قادمة من عوالم أدبية وعلمية مختلفة، كانت محاضرة في العديد من الجامعات بما يتعلق بقضايا الطفولة، عدا عن مواظبتها الطويلة على كتابة زاوية تربوية في واحدة من أهم الصحف البرازيلية، تلك التي كان يقرأها الصغار والكبار لما فيها من معلومات غنية، مرسومة بكلمات تتفجر العواطف من بين حروفها وكأنها تكتب ولكن بريشة روحها، تقول في “الولد الذي مزق ثيابه: ماذا فعلوا بك أيها الطفل حتى تستند إلى جدار المدرسة وتبكي هكذا؟ -كم هو أليف هذا المشهد في مدارس العالم عموما؟ – هل ضربوك؟ هل جرحوك؟ ماذا قالوا لك يا ملاكي؟ تعال إلي وأخبرني ماذا حصل”، الكاتبة تُقيم حوارا إنسانيا، مع أكثر أشكال الوجود إنسانية على الأرض، الأطفال، إنها تمسح بكلماتها على شعرهم، وتحضنهم بروح تلك الكلمات ليبرؤوا من حزنهم وخوفهم، وهذا النوع من الكلام، بعيد في طبيعته عن الانفعالات الزائفة، والمواضيع المُختلقة، إنه حديث يدور الآن بين طفل يقرأ صفحات كتاب، وبلحظة ما يتحول “الطفل يا حبيبي” إلى وجود حسي لمؤلفته، إنها تذهب إلى الواقع في أقصى خيالها، وتأتي بأعذب الحالات وأكثرها انتشارا بين الأطفال في العالم للمؤانسة، تتابع مطمئنة تلك الروح الحائرة في ختام النص، بقولها: “تعال إلى هنا يا حبيبي، اقترب مني، لا تبك، أرباب العائلة يمزقون ثيابهم أيضا”، إنها تُدرك أن بكاء الطفل الذي تمزقت ملابسه، سببه الخوف من العقوبة، وها هي تخبره، أن ما حدث معه، يحصل مع والده وكل الكبار، كي يهدأ، ثم تختم: “كذلك الرجال المهمون جدا، ونحن كنا نمزق ثيابنا، كن مثل الكبار يا حبيبي لا يبكيهم ذلك، افعل مثل الكبار يا ملاكي”، الكاتبة لا ترتجل ارتجالات مشحونة بالعاطفة “المشلخة” فقط، إنها ترسل بخبرتها التربوية العريقة، رسائل تربوية غاية في الأهمية، فهي تُضمن كل جملة، غيمة سكر ملون، يرتاح عليها هذا الطفل الخائف، ثم توجهه ليكون كبيرا ويتسامى على الخوف، كما يفعل الكبار؛ لقد ذهبت إلى أكثر الأمثلة شيوعا في مدارس العالم، أو في ملاعب الطفولة، لتحمل ذلك المشهد كما لو أنه مقطعا من فيلم سينمائي، فتضعه بعدة جمل ذكية وحنونة، سيقرؤها أي طفل ويحبها.
الخوض في نصوص الكتاب الصادر عن الهيئة العامة للكتاب، ترجمة “مها عرنوق”، يسرق من القارئ الكبير وعيه الآني، ليعيده إلى تلك اللقطات المحددة من الحياة المتشابهة التفاصيل في مختلف بلدان العالم، مستعيدا تلك اللحظات القاسية، وفرحا لأنه يقرأ الآن من قاسمه تلك المشاعر دون أن يدري.
الكتاب من عنوانه يبدو أنه موجه للطفل، وهو كذلك في طبيعة الحال، لكن أي إنسان بالغ سيقرأه، فإنه سيغدو بلحظة ذاك الطفل الواقف على الجدار بثياب ممزقة والخوف يملأ قلبه، كما أنه سيتعامل مع بقية النصوص البديع سبكها في قوالب كتابيّة مختلفة الأسلوب، بنفس المشاعر.
“الطفل يا حبيبي”، من الكتب التي من المهم أن يقرأها أطفالنا، فهم سيقيمون حوارا داخليا مع تلك النصوص البسيطة في ظاهرها، والذاهبة نحو التربية الصحية والصحيحة، كالسهم فيما تحمله من معان، وهذا ما لأجله قامت به “سيسيليا ميراليز”، في هذا الكتاب وغيره من نتاجها التربوي الأدبي، الذي يجمع بين العاطفة الكبيرة والنصيحة المتخفية بثوب دمية لطيفة، يضحك لها قلب الطفل من الداخل، القلب الذي ستجثو على ركبتيها لتقبله.
تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة