“المتنبّي كما أراه”.. الغوص في محارات مالىء الدنيا وشاغل الناس

“المتنبّي كما أراه”.. الغوص في محارات مالىء الدنيا وشاغل الناس

 

الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، الشاعر الذي مازال هو الرقم الأهم والصعب في دنيا الشعر العربي. تتصدى الشاعرة نسيم الرحبي. صاحبة ديوان (أساور مريم)، بكثير من الشغف للكتابة عن الشاعر المتنبي، وعلى طريقتها الإبداعية تقدم كتابا، أقل ما يقال عنه أنه كتاب للذكرى، عن علم بل عن شاعر هو علامة فارقة على صعيد الشعر العربي، على مر العصور والدهور. الشاعر أبو الطيب المتنبي، الذي ما لبث متذوّقو الأدب العربي، والإنساني على السواء، يلمحون في شعره أصداء صادقة تعكس تجربة الإنسان الذي ينتمي إليه. شاعر حكيم وأحد مفاخر الشعر العربي القديم والحديث، تميزت طفولته بالحرمان من حنان أمه التي ماتت بعد موته بأشهر، مما دفع جدته لتربيته، كانت معظم تنقلاته بين الشام وبغداد وحلب، منذ طفولته المبكرة.
في أحد أحياء الكوفة، وفي العام 915 للميلاد. ولد أحمد بن الحسين، الملقب بأبي الطّيب المتنبي. كان والدهُ سقّاء في الكوفة، يحمل الماء على جمله ويوزعه على الناس. كان يرافق أباه إلى البادية حيث جاور الأعراب وخالطهم، وأتقن اللغة والأدب، فضلاً عن طبيعة البادية القاسية التي شحذت طباعه، وهيأت له شخصية قادرة على تحمّل المصاعب والشدائد.
في هذا الكتاب القيم سنلاحظ منذ البداية أن مؤلفته قد بذلت جهدا لا يستهان به لكي تقدم لنا محطات مكثفة وعلى غاية من الأهمية عن شاعرنا المتنبي، وهي ومنذ بداية المقدمة لكتابها المتميز هذا تضعنا وجها لوجه مع أبو الطيب المتنبي، وميزة هذا الكتاب وجماليته وأهميته تكمن في أن الأديبة الرحبي تألقت في القبض علينا وبكل محبة لمتابعة كتابها، فتشير لأبيات أحببناها، وهذه الأبيات تقدم لنا بعضا من ملامح شعرية وشخصية المتنبي. على سبيل المثال: “الخيلُ والليلُ والبيداءً تعرفني/ والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ”. كذلك تضيف من أبياته: “على قلقٍ كأن الريحَ تحتي/ أوجّهُها جنوباً أو شمالاً” ص 11.
قال عنه ابن رشيق في كتابه (العمدة): (أنّه مالئ الدنيا وشاغل الناس). هذه العبارة تكشف لنا عن المكانة الرفيعة التي احتلها شعر المتنبي في تاريخ الشعر العربي، والتي يصعب أن يحتلها شاعر آخر. كذلك قال عنه اليازجي: (كان المتنبّي يمشي في الجوّ، وسائر الشعراء يمشون على الأرض). وعن أغراض المتنبّي الشعرية، تحدثنا المؤلفة قائلة: (حين نقرأ ديوان المتنبّي الذي عُني بجمعه وترتيبه بنفسه، تبدو لنا في قصائده المجموعة بين دفتي الديوان، أغراضا متنوعة أحاط الشاعر بها جميعا. فقد كانت العبر التي لقيها في حياته المفعمة بالأحداث كثيرة جدا، لذلك كانت الدروس التي ألقاها على الناس شعراً أكثر من أن تحصى، على أننا نستطيع أن نلمس من قراءتنا للديوان، تفوق أبي الطّيب المتنبّي في أغراض معينة هي: المدح والفخر والهجاء والحكمة والرثاء والوصف). – ص 23.
الغزل عند المتنبي هو أحد أغراض الشعر أيضا، وترى المؤلفة في غزله برودة العاطفة، “جهدُ الصّبابةِ أن تكون كما أرى/ عينٌ مسهّدةٌ، وقلبٌ يخفقُ – مالاحَ برقٌ، أو ترنمّ طائرٌ/ إلا انثنيتُ، ولي فؤادٌ شيقُ”. – ص 27.
لكنني أرى أن شاعرنا المتنبي وإن كان مقل في غزلياته إلا أنه حتى في قليله رائع وأبدع. والدليل رائعته الغزلية التي تشدو بها حنجرة السيدة فيروز: (وعذلتُ أهل العشقِ حتّى ذقته/ فعجبتُ كيف يموتُ من لايعشقُ” ومقتل المتنبي، حين اضطر للعودة إلى بغداد، ومعه ابنه (محسّد) وغلامه (مفلح)، في طريق عودته إلى بغداد تلقاه بالقرب من مكان يدعى (النعمانية)، لقيه “فاتك بن أبي جهل الأسدي”، خال ضبّة العيني الذي كان قد تعرّض من قبلن لهجاءٍ من الشاعر المتنبّي أقذع فيه الشتائم، لاسيما ما اختصّ منها بأمّ ضبّة، وهي أخت فاتك. كان فاتك في جمعٍ من رجاله، فحاول المتنبّي الهرب، بعدما وجد أن المعركة غير متكافئة القوى بين الجانبين، فحاول الهروب. إلا أن غلامه قال له: (كيف تهرب) وأنت القائل: (الخيلُ والليلُ والبيداءّ تعرفني/ والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ ) غقال له المتنبي: (قتلتني قتلك الله). وهكذا وقعت المعركة الدامية بين الأكثرية وبين المتنبي، لتنتهي بحالة مأساوية فجائعية، بموت شاعرنا المتنبي، بكثير من الوقار والأبهة مدافعا عن شرف كبريائه وشرف شعره. حدث موته في العام 965 للميلاد. اغتيل وهو لم يتجاوز نصف القرن من العمر. وعلى الرغم من كل هذا وذاك سيظل مالئ الدنيا وشاغل الناس.
“المتنبي كما أراه” للشاعرة نسيم الرحبي– إصدارات دار السنا– الرسوم الداخلية للفنان أنور الرحبي، يقع في 83 صفحة من القطع المتوسط .
أحمد عساف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة