زركشات القرنفل

زركشات القرنفل

سلوى عباس

قالت له وهي تنقّل عينيها من عينيه إلى فنجان قهوتها.. بعض الناس يصل متأخرا..! فيقنط بعض الوقت ويعرف أنها لا تزال بعيدة يفصلها عن دمه زمن له ملمس أوجاعه، فيلملم روحه ثانية ثم يقذفها لهيباً من الأسئلة.. فقد كان يريدك أن تشتعل لتضيء حيرته.. أن تبدد انكساره قبل أن تلمسه أهدابها.. ولكن!؟
نظر في ساعته.. كان عقرباها يعلكان الدقائق ويمضغان فرح قلبه النابت تواً، بينما امتدت أصابع لا مرئية تزيح محياها عن أفق عينيه، ثم تدفعه بقوة إلى هوة لا زال يغرق في رمالها.
****
هكذا.. وفي مرات كثيرة أناجيك اشتياقي فيتلاشى في فضاء من تمنع ونفور، أميل إليه ألملم شظاياه في جعبة تتسع انكسارات المحبين كلهم.. وكما الفراش أعود دائماً لإحراق أجنحتي على وهج مصباح الأمل باللقاء، يدفعني الحنين إليك أن اكرر حماقاتي، فأسرج صهيل الحب والكلام وأطلق لقلبي براريه الملونة الأحلام، فيثب مندفعاً إليك غير آبه بالجبال والبحار وآداب الحديث، يتقافز مسكوناً بروعة الوصول وتألق الصعاب، غير ملتفت إلى وعورة المسالك واحتدامات الاعتذار. ينتابني قلبك في مساءاتي الموحشة، فأوقف الزمن عن التداعي وأجمّد الدقائق في دوائرها، وأفتح صدري لك فادخلي إلى كلماتي وجمّلي عالمي بالنور وزركشات القرنفل.
****
اليوم أحتضن صوتك البلوري الشفيف الذي أحب.. فيأتيني كما سراب أو صدى.. أسمع صوتك ذابلاً موجوعاً يواري ارتجافه عني ويطرز فوق ألمه بعضاً من ابتسامات لا يخفى عني أنينها.. أسمع صوتك مسبوكاً في قالب من عدم الوضوح.. أحاول أن تطمئني قلبي المرصود لأفراحك وحزنك، وأحاول أن أعرف ما الذي أغرق ذلك الصوت الرنيم في بركة التعب والانطفاء، فيأتي ردك في منظومة الإبهام والتهرب فيزيد هذا فيّ قلقي وانشغالات بالي عليك وأنت تعرفين كم يعنيني أن تكوني معافاة دائماً ومشرقة تمورين بالصحة والعافية، وكم يهمني أن لا يسرق شيء منك التماع عينيك الجميلتين ولا نضارة وجهك الرائع.. ولا يعكر شيء صفو صوتك الجدولي الذي ينساب في روحي سريعاً يؤلقني ويسقي عشبة الحب التي زرعتها أنت في قلبي.. ضمي هذا الخفقان إليك ولملمي موجه الوردي في يديك.. أيقظي الشمس من هذا الظلام، واتركي للريح أن تنثر فيَّ السرور وتنبت في أرجائي أشجار الوداد، فتعود لرباي عصافيرها، وتغني في صوتي أناشيد اشتياقك، ودعي عبيرك ينسج على كتفي خميلته البديعة.. كلما التفت إليك أينع ربيع ذاكرتي وأشرقت روحي بالوجد.
****
أركن إلى حلمي الذي لا أمل من انتظار بيادر حنطته، ولا من قوة صبره حيث أنتصر به على وجع الحياة تارة ووجع من أحببتهم تارة أخرى، أفتح نافذة القلب المفضية إلى الضوء وأطيّر في سمائها حمامة من رغبات وأمان أحمّلها وجدي وأحلامي الندية، بانتظار أن يعود ضوء النهار يشع في روحي، لأدرك أن هناك حياة، ولتعلن فيّ أعيادي، وتطير حولي فراشات الفرح.. هي رغبة الحياة وسط الموت تنتابني فتشرق في وجداني وروداً وأمنيات بالسلام والمحبة بأيام تتجدد فيها آمالنا كما يتجدد الفجر وتتفتح براعم الورد، فأرواحنا لا تقل بهاء عن الورد ولا عن عشق عباد الشمس الذي يبقى مشرقاً ومغرباً أسير الضوء، في رغبة أن يتدحرج العمر وقت الغروب خطفاً إلى الشمس في هلوسات الروح وهي تعتصر آخر سلاف صبرها.. فالحياة مثل الشمس والغيم، الشمس عندما تغطيها الغيوم تسدل على أرواحنا وحشة العتمة ولو كنا موقنين أنها توعد بالمطر.. والمطر حتى يولد من رحم الغيم لا ينفع معه السكون، لذلك علينا أن نخرج البركان الساكن فينا يحرقنا ويتلذذ بموتنا، أن نفجّر ثورته لنولد كما المطر.. ونشرق كما الشمس فالريح فعلت فعلتها وزلزلت سكونية الكون.. الريح التي تعصف في أرواحنا علينا أن نحررها من عشقنا لنارها، نحركها ليموت السكون فينا ونولد أكثر تألقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة